كيف يسقط القانون دون الأعراف
الدكتور عادل عامر
لو تأملت في
حاضر المجتمعات البشرية وماضيها، لوجدت أن الوظيفة الأساسية والأولى لكل حضارة هي
تحقيق العدالة، وضمان الأمن جزء من ذلك، ثم يكون النماء والرفاه نتيجةً حتمية لتلك
البيئة العادلة والآمنة.
هذه العلاقة
واضحة ومتحققة في مختلف الحضارات، ومنها على سبيل المثال الحضارة العربية
الأندلسية، حيث ازدهرت كلّما تحقق الأمن والعدل، واضمحلت كلّما ضاع الاستقرار وشاع
الظلم.
ومع أن التشريع
القائم على العرف لا يخلو بطبيعته من إشكالات، ككونه غير مكتوب وما يترتب على ذلك
من اتساع دائرة الاختلاف والجدل وضعف الضمان وارتفاع منسوب اللايقين مقارنةً
بالتشريع المكتوب، إلا أن هذه الإشكالات لم تكن سببًا في الاستغناء عنه. بل على
العكس، ظل العرف ضرورة تنظيمية، لأنه يحترم ما اعتاده الناس، وييسّر تعاملاتهم
اليومية، ويرسى الثقة عليها، فضلًا عن دوره الجوهري في سدّ فجوات التشريع المكتوب.
فكما سبق بيانه، النصوص المدونة بطبيعتها عاجزة عن الإحاطة بجميع الوقائع، فيأتي
العرف مكمّلًا لهذا النقص.
بل إن دور العرف
في بعض الدول لم يكن دورًا هامشيًّا أو ثانويًّا، وإنما شكّل جزءًا أساسيًّا من
بنيتها الدستورية والقانونية. فالمملكة المتحدة، على سبيل المثال، لا تقوم على
دستور مدوَّن في وثيقة واحدة مكتوبة، وإنما يستمد نظامها الدستوري قواعده من مصادر
متعددة، تشمل التشريعات الصادرة عن البرلمان، وأحكام القضاء التي راكمت مبادئ
دستورية عبر الزمن، إضافة إلى الأعراف والتقاليد الدستورية التي استقر عليها العمل
السياسي والتزم بها الفاعلون دون أن يُنصّ عليها كتابةً. وهذا النموذج يبيّن أن
العرف ليس مجرد حلٍّ مؤقت لفراغ تشريعي، بل قد يكون ركيزة أساسية لتنظيم شؤون
الدولة.
ولا يقف دور العرف عند كونه مصدرًا مستقلًّا غير مكتوب، بل يمتد
ليُزامل التشريع المكتوب ويصاحبه في تطبيقه وتفسيره، إذ إن النصوص المدونة ذاتها
لا تعمل في فراغ، بل تحتاج إلى العرف لفهم دلالاتها وضبط مقاصدها. فلو افترضنا
نصًّا تشريعيًّا مكتوبًا يحظر سبّ الأشخاص أو الإساءة إليهم، ثم قال أحدهم لآخر
«يا دابة»، واحتجّ بأن المعنى اللغوي لهذه المفردة يشمل كل من يدب على الأرض، بما
في ذلك الإنسان، فإن هذا التبرير وإن بدا صحيحًا لغويًّا، إلا أنه يتجاهل ما استقر
عليه عرف الناس من أن المراد بهذه الكلمة هو الحيوان لا الإنسان. وهنا يتدخل العرف
بوصفه أداة تفسيرية، فيُدخل هذا الوصف تحت نطاق الحظر أو يُخرجه منه بحسب ما استقر
عليه الاستعمال الاجتماعي، فيسد بذلك باب التلاعب والتحايل على النص القانوني
بمسوغات لغوية متكلفة تُفرغه من مضمونه.
ولذلك تبرز الحاجة إلى أن تبقى بعض المجالات غير محكومة بنصوص مكتوبة
تفصيلية، وأن يُترك فيها مجال للعرف لتغطيتها وتنظيمها، لما يتمتع به من مرونة
وقدرة على التشكل والتحول بما يواكب الواقع. فالنص القانوني بطبيعته يُراد له أن
يكون جامدًا ومستقرًّا، لأن تقلبه المستمر وتغيره السريع من شأنه أن يزعزع ثقة
الناس به ويضعف الاطمئنان إلى أحكامه، في حين أن العرف، لكونه مستمدًا من أفعال
الناس وسلوكياتهم المتكررة، يمتلك قدرة أعلى على التطور التدريجي والاستجابة
للتحولات الاجتماعية دون إرباك المنظومة القانونية. كما أن العرف، حين يُستخدم
مفسرًا للنص، يضفي عليه حياةً وقابلية للتعامل مع عدد كبير من الوقائع والأحداث
التي قد لا يكون النص قد أحاط بها تفصيلًا، فيحول دون تحوله إلى نص ناقص أو مملوء
بالثغرات. وبالمثل، فإن صياغة بعض النصوص على نحو يتيح وجود سلطة تقديرية لمن
يتولى تطبيقها يمنح القانون قدرة أوسع على معالجة حالات متنوعة، وهي قدرة كانت
ستُفقد لو أُغلق هذا الباب بإطلاق وجُعل النص جامدًا لا يحتمل إلا تطبيقًا واحدًا.
وأخيرًا، لا
تهدف هذه المقالة إلى الدعوة لذوبانية النص القانوني أو إفراغه من مضمونه، ولا إلى
تبرير غموضه أو إضعاف وضوحه ومباشريته، وإنما تسعى إلى بيان أن الإبقاء على مساحة
معينة في بعض المواضع أمر إيجابي ينبغي قبوله وعدم التعجل في تضييقه. وبطبيعة
الحال فإن مقدار هذه المساحة يختلف باختلاف الموضوع، فالتشدد في النصوص الجنائية
التي يترتب عليها توقيع عقوبات سالبة للحرية، كالسجن، أولى وأشد من غيرها، لما
تمثله من مساس مباشر بحريات الأفراد، مع ضرورة الحذر من الإفراط في التضييق إلى
حدٍّ يجعل كثيرًا من الأفعال الخطرة خارج نطاق المساءلة، فنكون بذلك قد آثرنا
صرامة النص على حساب أمن الناس وسلامتهم.
وهذا التوازن هو
ما عُرفت به النصوص الجنائية في كثير من الأنظمة، إذ رغم التطور التقني المتسارع
وبروز الذكاء الاصطناعي وما يتيحه من صور جديدة للاعتداء، كتزييف الأصوات أو فبركة
الصور على نحو مسيء للأشخاص، لم تجعل الصياغة العامة للنصوص الجنائية هذه
السلوكيات بمنأى عن رحاب القانون، بل أبقت لها مجالًا للدخول تحت مظلته. وبذلك لم
نكن نحتاج إلى تشريع جنائي خاص بهذه السلوكيات عمومًا.
وفي المقابل،
فإن النصوص التجارية التي تنظم التعاملات بين الأطراف تستدعي قدرًا أعلى من
المرونة، وترك مساحة أوسع للأعراف، وتوسيع نطاق السلطة التقديرية، بما يتلاءم مع
طبيعة المعاملات التجارية وسرعة تطورها. غير أن هذه المرونة لا تعني فتح الباب على
مصراعيه، لأن ذلك يفضي إلى ممارسات ظالمة، وقد ينطوي على صور من الغش التجاري،
ويحوّل السوق إلى ساحة تحكمها القوة لا القواعد.
فالقانون يسعى
لتحقيق العدالة، لكنه لا يستطيع أن يكون بديلًا عن الوعي والتفكير النقدي. فبينما
يحمي القانون الأفراد في المواقف التي يكونون فيها عرضة للاستغلال أو التدليس،
فإنه لا يمكن أن يكون عذرًا لمن لا يبذل الحد الأدنى من الحرص في معاملاته. وهذا
هو جوهر التوازن القانوني: حماية لا تصل إلى حد الاتكاليّة، ومسؤولية لا تتحول إلى
استغلال وظلم.
ربط المشرع المصري
بين فكرة النظام العام والقاعدة القانونية الأمر الذى تولد عنه تقسيم القاعدة
العامة إلى قواعد آمرة وأخرى مكملة .
وقد رتب آثار
وأحكام على جعل القاعدة القانونية مرتبطة بالنظام العام فقرر المشرع حماية خاصة
للقواعد القانونية المتعلقة بالنظام العام نظراً لأهميته ودوره الكبير في قيام
كيان المجتمع
.
· حيث قرر المشرع البطلان على كل اتفاق أو إجراء
يخالف النظام العام وجعل لكل ذي مصلحة حق التمسك به ,كما يجوز للمحكمة أن تقضى به
من تلقاء نفسها ويجوز الدفع ببطلان الأجراء من خلال محامى صاحب الحق لمخالفته
النظام العام في أي مرحلة تكون عليها الدعوى ولو لأول مرة أمام محكمة النقض شريطة
أن تكون عناصره الواقعية كانت مطروحة في مراحل النزاع من قبل .
(( وهذا ما
قررته محكمة النقض في حكمها الصادر في الطعن رقم 327 لسنة 52 ق جلسة 22/11/1987 ))
من أمثلة ذلك :
كل اجراء يخالف
المصالح العامة للدولة يترتب عليه البطلان ويتولى مفهوم المصالح العامة للدولة
القضاء والفقه
.
حيث أن القواعد
القانونية التى تعتبر من النظام العام هى قواعد يقصد بها تحقيق مصلحة عامة سياسية
أو اجتماعية أو اقتصادية تتعلق بنظام المجتمع الأعلى وتعلو على مصلحة الأفراد ويجب
على جميع الافراد مراعاة هذه المصلحة وتحقيقها .
والذى له الحق
في التمسك بالبطلان للإجراء المتعلق بالنظام العام :
1- الخصوم والنيابة العامة
2- كل ذى مصلحة
3- تقضى به المحكمة من تلقاء نفسها
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق