هل يُراد للعرب أن يدخلوا حربًا جديدة؟
الدكتور عادل عامر
في كل مرة تشتعل
فيها التوترات في الشرق الأوسط، يعود السؤال نفسه بقوة: هل المنطقة مقبلة على حرب
جديدة تُدفع إليها الدول العربية دفعًا؟ وهل يتكرر سيناريو الماضي حين خاضت
المنطقة صراعات كبرى دفعت شعوبها ثمنها، بينما حصدت القوى الكبرى المكاسب؟
الحديث اليوم عن
احتمال مواجهة واسعة مع إيران يعيد إلى الأذهان ما جرى في العراق قبل أكثر من
عقدين، عندما قيل إن إسقاط النظام العراقي سيفتح الباب أمام شرق أوسط أكثر
استقرارًا، وربما يمهد لحل عادل للقضية الفلسطينية.
لكن ما حدث كان
عكس ذلك تمامًا؛ فقد غرقت المنطقة في الفوضى، واشتعلت الصراعات الطائفية، وتزايد
النفوذ الإقليمي والدولي، بينما بقيت القضية الفلسطينية تراوح مكانها، بل ازدادت
تعقيدًا. هذه التجربة التاريخية جعلت كثيرين في العالم العربي ينظرون بعين الشك
إلى أي دعوات جديدة للحرب أو التصعيد.
لا شك أن
الولايات المتحدة تنظر إلى الشرق الأوسط من زاوية مصالحها الاستراتيجية، وفي
مقدمتها حماية نفوذها وضمان أمن حلفائها. كما أن إسرائيل ترى في إيران خصمًا
استراتيجيًا وتسعى إلى تقليص نفوذها في المنطقة بكل الوسائل الممكنة. ومن هنا
يتولد شعور واسع بأن هناك ضغوطًا متزايدة على دول الخليج ومصر للاصطفاف في أي
مواجهة محتملة، وهو ما يثير مخاوف مشروعة من أن تتحول المنطقة مرة أخرى إلى ساحة
صراع مفتوح.
لقد أثبتت تجارب
العقود الماضية أن الحروب في الشرق الأوسط لا تنتهي بانتصار حاسم، بل غالبًا ما
تترك وراءها دولًا منهكة واقتصادات متضررة وشعوبًا تدفع الثمن الأكبر. وفي ظل عالم
يعاني أصلًا من أزمات اقتصادية واضطرابات سياسية، فإن أي حرب جديدة قد لا تقتصر
آثارها على دولة بعينها، بل قد تمتد لتشمل المنطقة بأكملها، وربما العالم.
إن الخطر
الحقيقي لا يكمن فقط في اندلاع حرب، بل في الانجرار إليها دون حساب دقيق للمصالح
والتكاليف. فالدول العربية، وعلى رأسها مصر ودول الخليج، تحتاج إلى الاستقرار من
أجل التنمية وبناء الاقتصاد، وليس إلى صراعات جديدة تستنزف الموارد وتبدد الفرص.
لقد آن الأوان
أن تدرك المنطقة أن أمنها لا يمكن أن يتحقق بالحروب وحدها، وأن الاستقرار الحقيقي
يقوم على التوازن والحكمة وتجنب الانجرار إلى صراعات قد تخدم أطرافًا أخرى أكثر
مما تخدم شعوب المنطقة نفسها. فالتاريخ علمنا أن من يشعل الحروب قد يكون بعيدًا
عنها، لكن من يدفع ثمنها يكون دائمًا من أبناء المنطقة.
بينما عادت
إسرائيل إلى الحرب بشراسة أكبر من السابق، في تخلٍّ عن التزاماتها كلّها بموجب
اتفاق وقف إطلاق النار، الذي جرى التوصل إليه بشقّ الأنفس بعد 15شهراً من الحرب
والوساطات والمحاولات، وحتى الانقسامات الداخلية الإسرائيلية بشأن جدوى الحرب
وأهدافها والهزيمة وخطط "اليوم التالي". ولمّا كان ضحايا اليوم الأول من
الحرب المُستعادة أكثر منهم في أشدّ أسابيعها قساوة (قبل الاتفاق)، فإن الدول
العربية المُستهدَفة بمخطّط التهجير، وما يمثّله من تهديدات وجودية، عادت إلى
بيانات الإدانة والتنديد والشجب، وعادت بعض نُخبها إلى نهجها، القائم على لوم
الضحايا، وكأنّ في وسعهم فعل شيء ولم يفعلوه.
عاد العرب إلى
توصياتهم حركة حماس (والفصائل) بالاستسلام، وكأنّهم ليسوا أدرى بعدوّهم ومدى
التزامه الاتفاقات التي ينقضونها أكثر ممّا ينقض المرء وضوءه يومياً، فنحن نتحدّث
عن احتلال صهيوني استيطاني لطالما وعد بدولة فلسطينية بعد اتفاق أوسلو (1993)،
لكنّ تلك الدولة تحوّلت إلى مجرّد سلطة أمنية
تقوم بالمهام نيابة عنه، وفي تماه تامٍّ مع المطالب الأميركية الإسرائيلية بدولة
فلسطينية بلا فصائل ولا مقاومة، وشبه منزوعة السلاح، إلا من حرّاس الكيان بلباس فلسطيني.
ولم تكتفِ
إسرائيل بالامتناع عن تنفيذ ما يترتب عليها من استحقاقات المرحلة الأولى، ولكنها
وبعد استعادتها العدد الكبير من أسراها، سعت إلى تفريغ الاتفاق من مضمونه بوصفه
وقف إطلاق نار، وتحويله إلى مجرد اتفاق تبادل أسرى لا يترتب عليه وقف إطلاق نار
وانسحاب قوات، ودعمتها في ذلك الولايات المتحدة الأميركية. قال ترمب بوضوح إنه مقتنع بأن إيران
استأنفت برنامجها النووي بعد الضربات التي تلقتها منشآتها النووية، في
يونيو/حزيران 2025؛ وأشار بصورة محددة، وللمرة الأولى، إلى منظومة الصواريخ
الإيرانية بوصفها تهديدًا لأوروبا، وربما حتى الولايات المتحدة.
بهذا المعنى،
بدا الرئيس الأمريكي وكأنه يرفض توكيدات إيران على سلمية برنامجها النووي، ويطالب
بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم في إيران، وأنه يريد إدراج مخزون الصواريخ الباليستية
الإيرانية في جدول المفاوضات. وهي المطالب التي يرفض الإيرانيون تلبيتها.
ولكن
الإيرانيين، على أية حال، لم يُظهروا أي تراجع أو تردد في السعي الحثيث لمواصلة
عملية التفاوض. ففي اليوم نفسه، وقبل ساعات من إلقاء الرئيس ترمب خطابه، وصل
سكرتير مجلس الأمن القومي الإيراني، ورجل النظام القومي، على لاريجاني، إلى مسقط
ليسلِّم الوسيط العماني الصيغة الأولى لمقترح إيران للاتفاق مع الأمريكيين
ويفترض أن يكون
هذا المقترح هو الذي وعد الإيرانيون في جلسة التفاوض الثانية بإعداده، وأن يكون
موضع مفاوضات الجلسة الثالثة.
أصبح من نافل
القول إن أوروبا قلقة من الحرب، الدائرة منذ السبت الماضي بين إيران من جهة
والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. والأكثر قلقاً هي الترويكا الأوروبية
التي تربطها علاقات وثيقة دفاعية واستراتيجية وإنسانية مع دول الخليج. وجاء
استهداف قاعدة «أكروتيري» العسكرية البريطانية في قبرص، العضو في الاتحاد
الأوروبي، ليجد الأوروبيون أنفسهم مدفوعين لهذه الحرب. وقالت مصادر دبلوماسية في
باريس إنه من غير المستبعد أن تطلب قبرص تفعيل المادة 42، الفقرة السابعة، من
معاهدة الاتحاد التي تنص على ما يلي: «إذا تعرّضت إحدى الدول الأعضاء لاعتداء مسلح
على أراضيها، فإن الدول الأعضاء الأخرى ملزمة بتقديم المساعدة والعون لها بكل
الوسائل المتاحة لديها، وفقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة». بيد أن مشكلة
قبرص أن قاعدة أكروتيري التي تشغلها بريطانيا منذ استقلال قبرص عنها في عام 1960،
تعد ملكاً لبريطانيا وبالتالي فإنها كالسفارة، أرض بريطانية.
فشل الهجوم الإسرائيلي والأمريكي في
تدمير البنية التحتية للبرنامج النووي الإيراني، فهجمات يونيو الماضي أدت إلى
تعطيل البرنامج فقط وليس تدميره بالكامل، وبالتالي؛ هناك احتمالية أن تعوض طهران
ما سببته تلك الهجمات من خسائر، وتستعيد قدراتها النووية مرة أخرى، خاصةً وأنها
تمتلك الخبرة العلمية والإمكانات التقنية والمادية التي تمكنها من ذلك، وهذا قد
يدفع إسرائيل إلى أن تقدم على تنفيذ ضربة جديدة تهدف إلى إلحاق مزيد من الأضرار
بالمنشآت النووية الإيرانية، مما يزيد من تعطيل برنامج إيران النووي، وتحييد خطره
لفترة زمنية أطول.
رفض إيران الشروط
الأمريكية لاستئناف المفاوضات النووية، والتي من أهمها الموافقة على وقف تخصيب
اليورانيوم، وهو ما ترفضه طهران بشكل قاطع، إذ أكد مرشدها الأعلى علي خامنئي أن
“إيران لن تستسلم للضغوط فيما يخص تخصيب اليورانيوم”، ومن هنا؛ تفيد التوقعات بأن
تقوم إسرائيل، وبضوء أخضر أمريكي، بشن هجوم جديد على طهران، حتى تجبرها على تقديم
التنازلات وقبول الشروط الأمريكية، أي تفعيل مبدأ “السلام بالقوة” مرة أخرى ضد
طهران.
إن الشرق الأوسط
اليوم يقف عند مفترق طرق: إما أن ينزلق إلى مواجهة جديدة قد تقضي على ما تبقى من
استقراره، أو أن يختار طريق التهدئة والحفاظ على مقدرات شعوبه. وبين هذا وذاك،
يبقى الوعي بخطورة المرحلة هو السلاح الأهم في مواجهة احتمالات الانفجار الكبير.
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق