الاثنين، 30 مارس 2026

استراتيجية المقاومة الشاملة الأعمال الكاملة لمؤتمر: المقاومة- خيار أم ضرورة؟

 

استراتيجية المقاومة الشاملة


الأعمال الكاملة لمؤتمر: المقاومة- خيار أم ضرورة؟

تقديم

 

د. عادل عامر

 

لا تحتاج الأمة في هذه المرحلة الخطيرة من مراحل تطورها لشيء كحاجتها للأخذ بأسباب المقاومة الشاملة، وذلك في مواجهة هجمة شرسة ممتدة اكتسبت أبعاداً خطيرة في الآونة الأخيرة، فمن استعمار استيطاني جائر لفلسطين على يد كيان صهيوني معزز بتأييد أمريكي سافر إلى اندفاعة أمريكية مقصودة للهيمنة على مقدرات الأمة حصدنا منها حتى الآن احتلالاً بغيضاً للعراق، و"فوضى خلاقة" فاقمت من التجزئة التي تعاني منها الأمة من تجزئة بين دولها إلى محاولات لتجزئة هذه الدول ذاتها، حتى بتنا نخشى على استمرار العراق موحداً بعد أن سلمنا بتمزق الصومال أشلاءً، ونحبس أنفاسنا في متابعة ما يجري في السياق نفسه في بلدان كالسودان ولبنان وفلسطين وغيرها.

في مواجهة هذا الخطر الجسيم لا يبدو لعاقل أن ثمة خياراً سوى المقاومة، ومع ذلك فإن العوائق تثور بشأن هذا الخيار الأساسي، من سياسات رسمية تعجز عن المواجهة لعقم في الرؤية أو علة من مصلحة، نتمسك بأوهام التسويات والحلول السياسية التي غرقنا في مستنقعاتها عقوداً من الزمن دون أن نحصل على الفتات بينما تنجز المقاومة في سنوات قليلة ما عجزت عنه السياسات الرسمية في تلك العقود. يشهد على ذلك ما جرى في لبنان غير مرة في العقود الأخيرة وأخرها هذا العقد الأول من القرن الحادي والعشرين الذي شهد دحر إسرائيل مرتين أولاهما في مطلع القرن حين هربت قواتها من الشريط الحدودي الجنوبي "الآمن" في ليلة من ليالي مايو/آيار2000، ثم وقفت عاجزة عن أي تقدم تتكبد الخسارة تلو الخسارة في عدوانها على لبنان في صيف2006، حتى أجمع الإسرائيليون أنفسهم على أن نتيجة هذا العدوان قد مثلت هزيمة واضحة لهم ولسياساتهم. تشهد عليه أيضاً إنجازات المقاومة العراقية للاحتلال الأمريكي التي فاجأت الجميع بسرعة البداية وعظم الإنجاز، فلم يهنأ جيش الاحتلال بلحظة استقرار واحدة في العراق منذ بدء الاحتلال وحتى الآن، وتصاعدت أرقام خسائره البشرية والمادية إلى الحد الذي لاحت معه بوادر للتأثير الفاعل للمقاومة، كما ظهر بصفة خاصة من تأثيرها على نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي في2006، والتي غيرت بنية هذا الكونجرس من بنية يسيطر عليها الجمهوريون المؤيدون بصفة عامة لسياسة إدارة الرئيس جورج بوش الابن إلى أخرى أصبح فيها الديمقراطيون المعارضون للحرب واستمرار الاحتلال يتمتعون بالأغلبية. وأخيراً وليس آخراً يشهد على إنجازات المقاومة ما وقع على أرض فلسطين وقطاع غزة تحديداً في عام2005 حين اضطر شارون بكل سجله الإجرامي ومسلكه المتشدد على مدار سنوات الصراع مع الكيان الصهيوني إلى الانسحاب من غزة في2005 بعد أن جعلت المقاومة بقاءه الآمن المستقر فيها مستحيلاً، وأخفق في القضاء عليها مع أنه بقصر نظره –كأي استعماري عنصري- تصور حيناً أن مائة يوم كافية له للإجهاز على المقاومة، فإذا بالمائة يوم تتحول إلى سنوات طويلة كئيبة ومضنية بالنسبة له يضطر بعدها أن يسلم بأن ثمة تغييراً واجباً لا مفر منه يجب إدخاله على سياسته، فيجلو بقواته عن قطاع غزة مهزوماً مدحوراً، ويفكك مستوطناتها التي دفعها حماسه الاستعماري إلى أن يرفع عقيرته يوماً بالقول بأنها تتساوى في أهميتها لديه مع تل أبيب.

وعلى الرغم من هذه الإنجازات الواضحة فإن للمقاومة خصومها الذين جُبلوا على "ثقافة الخنوع"، أو ربطوا مصالحهم بمصالح أعداء الأمة، ويمثل هؤلاء الخصوم خطراً داهماً ينبغي التصدي له بكل قوة، فهم يروجون لخنوعهم بمبررات قد تجد من يستمع إليها بالجهل أو بالمصلحة أو بهما معاً، وهم يركزون في عملية الترويج هذه على أن خيار المقاومة هو الانتحار بعينه، ناهيكم عن أن يُتبع في ظل العولمة وأحادية القطبية التي لا يمكن لرأس أن يرتفع فيها اعتراضاً على إرادة سيد العالم الجديد، فميزان القوى مختل بيننا وبين العدو، ومن ثم فإن النتيجة الوحيدة لخيار المقاومة لن تكون سوى الدمار بعينه.

ينسى هؤلاء أن الدمار قد لحق بنا قبل أن يرتفع صوت أو تطلق رصاصة في مواجهة الاحتلال. تشهد على ذلك مئات القرى والمدن الفلسطينية التي دمرت بعد إعلان دولة إسرائيل على مذبح تهويد فلسطين، ومئات الألوف من اللاجئين الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق قبل أن يفيق الشعب الفلسطيني من صدمة ما جرى. وعليه فإن السلوك التدميري للاستعمار هو سلوك فطري لا علاقة له بالمقاومة وإنما علاقته بنوازع الاستعمار وإدامته، ولذا فإن النظر إلى الخسائر المادية التي تتحملها الشعوب المقاومة لا يجب أن يتم بمعزل عن الخسائر نفسها التي تحملتها هذه الشعوب بمجرد خضوعها للاستعمار وقبل أن تفيق من صدمته ناهيك عن أن تقاومه.

ينسى هؤلاء كذلك أن العراق قد تعرض لأكبر عملية تدمير في تاريخه الحديث أثناء التمهيد للغزو الأمريكي، وبالتالي فإن المقاومة ليست السبب فيما يعانيه الآن، وإنما يعود السبب إلى تلك الطغمة الحاكمة في واشنطن والتي تفوح منها رائحة النفط ومصالح الصناعات العسكرية بما يذكرنا برئيس أمريكي أسبق ثاقب النظر وقف يوماً في خطبته الأخيرة قبل انتهاء ولايته يحذر شعبه من مخاطر "المركب الصناعي-العسكري" إن هو تمكن من توجيه السياسة الأمريكية.

ينسى هؤلاء أيضاً أن ميزان القوى المادية بين قوى الاحتلال وقوى المقاومة لم يكن عائقاً يوماً أمام نشوء المقاومة وتطورها، فالخلل هائل بطبيعة الحال بين قوى الاستعمار والاحتلال وقوى المقاومة، لكن "قانون التحرر الوطني" يفيدنا دون لبس بأن المقاومة تنشأ في ظل هذا الخلل، وتتبع أسلوباً في القتال يحير الجيوش النظامية ويحيد قدرتها على وضع حد للمقاومة، ويوماًَ بعد يوم تنمو المقاومة، وتشتد ضرباتها وطأة، وتبدع أساليب جديدة للنضال ترد بها على محاولات القضاء عليها، وتبدأ من ثم العملية التاريخية "لتآكل الاستعمار والاحتلال"، حتى نصل إلى نقطة تصبح فيها تكلفة العملية الاستعمارية أعلى من عائدها مادياً ومعنوياً فيجبر المستعمر على تغيير سياساته ويضطر إلى القبول بالهزيمة.

لا يتصور عاقل إذن أن المقاومة الوطنية مطالبة بإنزال هزيمة شاملة ونهائية بقوات الاستعمار والاحتلال، ولا يتخيل أحد أن المقاومة الفلسطينية أو اللبنانية سوف تبيد الجيش الإسرائيلي أو أن المقاومة العراقية سوف تجهز على قوات الاحتلال الأمريكي بالكامل، وإنما تتمثل استراتيجية المقاومة في إنزال أكبر قدر من الخسائر بالعدو حتى يدرك أن تحقيق انتصار استراتيجي على المقاومة هو المستحيل بعينه، وأن خسائره من استمرار عملية الاستعمار أو الاحتلال باتت تفوق مكاسبه، ومن هنا ضرورة التغيير وحتميته، وعندما بلغ قصر النظر برجال الاستعمار حداً جعلهم يعجزون عن فهم هذا المعنى تكفلت تغييرات داخلية وقعت في بلدهم بتحقيق التغيير المطلوب. تشهد على هذا حالة الاستعمار البرتغالي في أفريقيا، والمؤشرات الواضحة لحالة الاحتلال الأمريكي الراهن للعراق، وغيرهما الكثير.

يستمر خصوم المقاومة أصحاب ثقافة الخنوع في التشكيك فيقولون إنه بفرض أن هذا كله صحيح فإننا الآن في عالم متغير يموج بتيار العولمة الطاغي، ويحكمه قطب واحد، الأمر الذي يبطل مفعول "قانون التحرر الوطني"، ويجبرنا على إعادة حساباتنا، ومن الحقيقي أن العولمة وأحادية القطب في الأوضاع العالمية الراهنة قد صعبت الأمور كثيراً على قوى المقاومة، لكن واقع أمتنا يشهد على أن بعضاً من أروع إنجازات المقاومة قد تم في ظل هذه الظروف العالمية الصعبة، وإذا كان شعب الجزائر قد انتزع حريته من براثن الاستعمار الفرنسي بعد واحدة من أشرس معارك التحرر الوطني في التاريخ المعاصر وأعظمها فإن إنجازات المقاومة التي سبقت الإشارة إليها في لبنان وفلسطين والعراق قد تمت كلها في ظل العولمة والقطبية الأحادية وغياب الدعم الخارجي بل واتباع الدول المحيطة بالمقاومة في بعض الأحيان لسياسات مناهضة لها إن لم تكن متآمرة عليها.

لا يعني ما سبق أن طريق المقاومة مفروش بالورود، فهي تواجه –كأية عملية تاريخية ترمي إلى تحقيق حرية الإنسان وتعزيز حقوقه- مصاعب هائلة، لكنها كانت من المنظور التاريخي وما زالت قادرة على مواجهة تلك (المصاعب). وهناك أولاً تحدي التوصل إلى استراتيجية شاملة للمقاومة يتفق عليها الجميع، أو على الأقل التيار الرئيسي في حركة النضال الوطني. يكون لهذه الاستراتيجية فضل تحديد الغايات النهائية للنضال وأساليبه والعلاقة بين هذه الأساليب، فإذا غاب النجاح عن مواجهة هذا التحدي ظهر تحدٍ آخر وهو العجز عن العجز عن توحيد فصائل المقاومة أو على الأقل التنسيق بينها والوقوع أحياناً في شرك الخلاف ناهيك عن الاقتتال الداخلي بين هذه الفصائل. صحيح أن هذه الظاهرة قد عرفها كثير من حركات التحرر الوطني المعاصرة غير أنها دون شك تؤجل يوم الانتصار النهائي للمقاومة، ولعل ما يجري على الأرض الفلسطينية الآن (في الربع الأخير من عام2007) أبلغ شاهد على ذلك.

يبرز بعد ذلك تحدٍ ثالث يتمثل في علاقة المقاومة ببيئتها الخارجية، فمعظم تجارب التحرر الوطني الناجحة في الخبرة المعاصرة قد تم في إطار بيئة إقليمية وعالمية مساندة، أو على الأقل وجد المساندة الضرورية من هذه البيئة. يبدو ذلك واضحاً من خبرة النضال الجزائري في خمسينات القرن الماضي وستيناته، وكذلك خبرة النضال في جنوب اليمن في ستينات القرن الماضي حين كان لمصر –في الحالتين- دور داعم بلا حدود، وفي الساحة العالمية تبرز التجربة الفيتنامية خير دليل إذ تمتعت بدعم سوفيتي وصيني هائل. أما الآن فإن حركات المقاومة الوطنية في ظل العولمة والأحادية القطبية وتخاذل النظم الحاكمة تعمل أحياناً دون دعم خارجي إن لم تكن مطالبة دائماً بالتحسب لما يُحاك ضدها من مواقف تحاول تقويض إمكاناتها وتعويق مسيرتها، لكن اللافت للنظر أن المقاومة –وإن زادت مصاعبها من جراء غياب الدعم الخارجي أو هزاله ومحاولات هدمها من قبل قوى داخلية وخارجية- ما زالت قادرة على الاستمرار والإنجاز على نحو ما شهدنا في المقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية.

وأخيراً وليس آخراً تواجه المقاومة تحدي الانتصار على أصحاب ثقافة الخنوع الذين لا يحتفظون بآرائهم لأنفسهم وإنما يحاولون نشرها بما يؤثر على درجة المساندة والتأييد التي تلقاها المقاومة من محيطها الشعبي المباشر، بما يرتب عليها وعلى أنصارها مهمة التصدي لهذا الخرق الداخلي حتى لا يتسع على النحو الذي يهدد مسيرة المقاومة في طريق تحقيق غاياتها الاستراتيجية.

* * *

لكل ما سبق تبدو القيمة الاستثنائية لهذا الكتاب الذي يضم الأعمال الكاملة لمؤتمر "المقاومة..خيار أم ضرورة؟" الذي عقد يومي السابع عشر والثامن عشر من سبتمبر عام2006 بتعاون كريم بين لجنة الشئون العربية بنقابة الصحفيين ومركز الإعلام العربي للأبحاث والمعلومات والنشر، فالمشاركون في هذا الكتاب يناقشون باقتدار ونهج علمي سليم كافة الموضوعات السابقة، فهم يؤصلون ظاهرة المقاومة بكل أبعادها كما في الأبحاث القيمة لكل من الشيخ جمال قطب (شرعية المقاومة-دراسة فقهية)، والدكتور محمد شوقي عبد العال (الوضع القانوني للمقاومة الفلسطينية المسلحة)، والدكتورة هبة رؤوف عزت (من فعل المقاومة لفقه التمدن)، ويحللون التحديات التي تواجهها كما في البحثين القيمين لكل من الأستاذ عماد الدين خليل (المقاومة: التحديات والسبل)، والدكتور محمد خالد الأزعر (التحديات والعوائق التي تواجه المقاومة)، ويؤكدون على الطبيعة الشاملة لظاهرة المقاومة كما في الأبحاث القيمة لكل من د.أحمد إبراهيم محمود (دور القوة العسكرية في استراتيجية المقاومة الشاملة)، والسفير محمد وفاء حجازي(·) (المقاومة السياسية والدبلوماسية)، والدكتور أحمد السيد النجار (المقاومة الاقتصادية)، والدكتور سليمان صالح (المقاومة الإعلامية وثورة الاتصال)، ويحللون الأدوار المنوطة بقوى ومؤسسات وشرائح بعينها في الفعل المقاوم كما في الأبحاث القيمة لكل من د.حسن حنفي (ثقافة المقاومة)، والأستاذ صالح الشحري (المقاومة والمثقف)، والدكتور محسن صالح (دور الجامعات ومراكز الدراسات في استراتيجية المقاومة الشاملة)، والأستاذ أحمد تهامي عبد الحي (دور الأجيال الجديدة في مشروع المقاومة والنهضة)، والفنان عبد العزيز مخيون (الفن سلاح من أسلحة المقاومة)، والأستاذ عبد الرحمن فرحانة (دور الإعلاميين في المقاومة)، والدكتور عبد الستار المليجي (دور النقابات المهنية في دعم المقاومة)، والأستاذة وسام كمال والأستاذ سعيد أبو معلا (الأسرة المسلمة ودورها في نصرة قضايا الأمة).

لهذا الكتاب بعد ذلك كله فضل الاهتمام بتجارب المقاومة الغنية بالدروس التي تعزز الثقة بالنفس وتضئ طريق الحلول لبعض ما يواجه المقاومة من معضلات، وقد امتد اهتمام المشاركين في هذا العمل الرائد زمنياً فنجد بحثاً قيماً للدكتور عبد الحليم عويس عن (صلاح الدين الأيوبي: جهوده في تحقيق الوحدة ومقاومة الصليبيين)، بالإضافة إلى الأبحاث القيمة الأخرى عن التجارب المعاصرة، كما في بحث الأستاذ عبد الرزاق مقري (درب المقاومة: التجربة الجزائرية 1830-1962)، وبحث د.رفعت سيد أحمد (حين انتصر الدم على السيف: تجربة حزب الله "1982-2006")، وبحث الأستاذ عدنان أبو عامر (تجربة حماس)، وبحث الدكتور سامي صلاحات (حصاد المقاومة وإنجازاتها: انتفاضة الأقصى (2000-2004) أنموذجاً)، وبحث الأستاذ طلعت رميح (تحديات استراتيجية في مواجهة تحرير العراق)، وكما حدث الامتداد في الزمان فقد حدث في المكان أيضاً، إذ يضم الكتاب بين دفتيه بحثاً قيماً للدكتور إبراهيم نصر الدين مستمداً من الخبرة الأفريقية (إمكانيات النضال الفلسطيني في ضوء خبرة جنوب أفريقيا)، وآخر مستمد من الخبرة الآسيوية للواء حسام تمام (تجربة المقاومة الفيتنامية)، وثالث من خبرة أمريكا اللاتينية للأستاذ أحمد بهاء الدين شعبان (تجربة تشي جيفارا).

لعلي أكون قد وفقت في هذا التقديم في بيان مدى ضخامة هذا العمل وقيمته، وعندما يطلع القارئ الكريم على محتوى هذه البحوث كافة سوف يجد أن كلاً منها قد وفى بالغرض الذي كتب من أجله،وأضاف لقارئه معلومات وتحليلات ورؤى جديدة في مسألة المقاومة التي هي بالنسبة لأمتنا مسألة وجود في الحاضر والمستقبل، وليس هذا بغريب في ظل هذه المشاركة الكثيفة في هذا العمل الرائد من قبل نفر من أبناء الأمة المخلصين ما بين باحثين وخبراء ومناضلين اجتمعوا على إبلاغ رسالة المقاومة إلى أبناء الأمة جميعاً فأصابوا من النجاح والتوفيق فيما اجتمعوا عليه ما يشهد به كل حرف من حروف هذا الكتاب غير المسبوق. فالله أسأل أن يجزيهم عن أمتهم خير الجزاء خاصة وأن كلمتهم تصل إلى أبناء أمة في وقت هم أحوج ما يكونون فيه إلى سماع كلمة حق وصدق وعلم في كيفية المواجهة المثلى لهجمة شرسة تريد أن تعصف بكيان الأمة وتدمره تدميراً.

سوف يكون هذا الكتاب سفراً من الأسفار القليلة القيمة في موضوع المقاومة، وسوف يثري كل من يقرأ سطوره، وسوف يثير أيضاً حوارات علمية مطلوبة حول قضايا ما زالت تحتاج إلى الحسم في النضال التحرري، وهذا هو شأن كل عمل فكري جاد وملتزم وأمين.

 

                                                د.أحمد يوسف أحمد

                                            6/10/2007   



(·)  انتقل إلى جوار ربه الكريم قبل صدور هذا الكتاب. نسأل الله له الرحمة وخير الجزاء عن نضاله في سبيل أمته.

استراتيجيات التعامل مع المرض النفسي داخل الأسرة

 


استراتيجيات التعامل مع المرض النفسي داخل الأسرة

الدكتور عادل عامر

تلعب الأسرة دوراً هاماً في تنشأة الأطفال نفسياً، والتعامل مع الصعوبات والمشاكل النفسية التي قد يمرون بها، كذلك فإن التعامل مع الصحة النفسية للأزواج يقع الجزء الأكبر منها على عاتق شركائهم، وفي هذا الإطار من المهم أن يكون هناك إدراك عميق وفهم واضح لكافة استراتيجيات التعامل مع المريض النفسي داخل إطار الأسرة، وخاصةً في ظل تقلبات الحياة الحديثة وضغوطاتها؛ والتي كانت سبباً أساسياً في شيوع حالات الإصابة بالمشاكل النفسية والعقلية مختلف أنواعها بين مُختلف طبقات المجتمع.

يُشار إلى المرض النفسي (Mental illness) من قبل الأطباء بالعديد من التعريفات، فيُعرف أحياناً على أنه أحد الاختلالات الوظيفية في الجوانب الوجدانية والسلوكية والإدراكية للمريض، ويُرجع بعض علماء النفس مثل ريتشارد ماير حقيقة الإصابة بالأمراض النفسية إلى العديد من التفاعلات الخاطئة داخل الأسرة خلال فترة التنشئة وما بعدها، وربما تحدث نتيجة عوامل جينية متوارثة بين شجرة العائلة، لذا فإن الشخص المصاب بأحد الأمراض النفسية عادةً ما يكون انعكاساً لأسرةٍ مريضة.

 أما عن تشخيص إصابة أحد أفراد الأسرة بالمرض النفسي فإن الدور الأساسي والأولي عادةً ما يقع على عاتق أفراد الأسرة أنفسهم، وذلك في ملاحظة الإصابة والتغيرات التي قد تطرأ على المريض، فالمرضى قد لا يشعرون بحالاتهم إلا بعد أن يتم لفت انتباههم لها، ثم يأتي دور الطبيب، وهو المسؤول عن التشخيص الدقيق لحالة المريض، ومعرفة أسبابها، والبدء في تطبيق خطوات العلاج اللازم لها، سواءً كان علاجاً دوائياً أو علاجاً بالكلام والجلسات.

في بعض الأحيان التأقلم داخل النظام الأسري أمراً صعباً للغاية؛ وذلك في حال معاناة أحد أفرادها من إحدى الحالات النفسية التي تتطلب التعامل معها بنمط يختلف عن الأنماط الاعتيادية.

في هذه الحالة قد تختلف الأدوار ويعاد توزيعها بين الأفراد، فربما يتحمل الأبناء مسؤوليات الوالدين، مثل العناية بأشقائهم الأصغر سناً، وقد يتحملون حتى مسؤولية رعاية الاحتياجات العاطفية أو الجسدية لوالديهم وقد يتحمل أحد الزوجين مسؤوليات شريكه الشخصية أو الأسرية بصورةٍ مؤقته أو دائمة.

قد يشعر الأفراد الذين لديهم أحد أفراد أسرتهم مصاب بمرض عقلي بالخجل من التحدث عن حالتهم مع الآخرين، وبالتالي قد ينسحبون من مُحيطهم تدريجياً، ويبتعدون الأقارب أو الأصدقاء الذين يمكنهم مساعدتهم أو دعمهم، وفي كثير من الأحيان قد يواجهون صعوبات في التعرف على احتياجاتهم والتعبير عنها للآخرين وحتى لأنفسهم. نتيجة لذلك ، كثيراً ما يشعر هؤلاء الأفراد بالعزلة والوحدة.

المرض النفسي داخل الأسرة

ما أبرز الصعوبات التي قد تواجهها الأسرة في هذه الحالة؟

عادةً ما يعاني الأفراد المصابين بإحدى المشكلات النفسية أو أمراض الصحة العقلية الحادة والمزمنة وأسرهم من صعوباتٍ في التعاملات داخل إطار العلاقات الأسرية وخارجها، وتشمل أهم هذه المشاكل ما يلي:

صعوبة العلاقات العائلية والشعور بالعزلة

اضطرابات الأكل مثل نهم الطعام أو النحافة المفرطة

صعوبة الحفاظ على العلاقات العاطفية والصداقات

مواجهة بعض المشاكل في الثقة بالنفس والآخرين

صعوبة الموازنة بين الاعتناء بالنفس والاهتمام بالآخرين

صعوبة وضع وفرض حدود صحية ومتوازنة مع الآخرين

الاحساس المفرط بالذنب والمسؤولية تجاه أفراد الأسرة

الشعور بنوبات الغضب أو الاستياء الحاد والمتكرر

الاحساس بالعار أو الإحراج نتيجة نظرات الآخرين

الدخول في حالات الاكتئاب والعجز والتعب

تنامي المخاوف من توارث المرض النفسي في الأسرة

كما قد تنتاب المريض النفسي بعض الأفكار والمواقف والسلوكيات المهزوزة والمهزومة تجاه للذات مثل “احتياجاتي لا تهم؛ أنا لا أستحق الكثير، لا فائدة من المحاولة “. هذه الأفكار عادةً ما تنطوي على ميل إلى المساواة بين الإنجاز والقيمة الذاتية، مثل: “ربما يمكنني أن أتفوق في شيء ما، أو أن أكون مثاليًا في المدرسة أو في وظيفتي أو علاقاتي. لكن إذا فشلت، فأنا لا قيمة لها وهذا فظيع”.

إذا كنت تواجه أيًا من هذه الصعوبات؛ فأنت لست وحدك، فمن المفيد أن تدرك أن أنماط العلاقات والمشاعر والسلوكيات هذه ساعدتك على التأقلم ومواجهة ضغوطات الحياة حتى الآن ، وحتى سنوات الطفولة الأكثر ضعفًا وألماً، فإنها قد خدمت بشكل أو بآخر وظيفة التأقلم لديك.

ومع ذلك، من المهم أيضًا إدراك أنها قد لا تكون مفيدة وعملية في هذا الوقت من حياتك. والإدراك العميق أن هذه الصعوبات قد تحد من اختيارات حياتك (سواءً أنت أو أحد أفراد أسرتك) كشخص بالغ، وهذه أول خطوة مهمة نحو إيجاد طرق ووسائل جديدة وعملية لتحسين نوعية حياتك والتحرر من التراكمات الذهنية السابقة، والتواصل الفعال مع الآخرين بشكل أفضل.

المرض النفسي داخل الأسرة

استراتيجيات التعامل مع المرض النفسي داخل الأسرة:

توجد العديد من الاستراتيجيات الهامة التي ينبغي العناية بها عند التعامل مع مشكلة المرض النفسي داخل إطار الأسرة، ومن أبرزها نورد لكم ما يلي:

التثقيف الصحي: يُشار إلى أهمية فهم وتعلم ومعرفة العلاجات الممكنة والأعراض والحالات التي قد تواجه المريض النفسيّ، إذ إنّ ذلك يساهم في تقديم الدعم والمساعدة له بكل ثقة، ويكون ذلك من خلال حضور جلسات الدّعم التي تُعقد للأفراد المُحيطين بالمريض النفسي، وكذلك حضور المؤتمرات أو جلسات التدريب التي تدور حول الحالة المطلوبة. متابعة البرامج وكذلك قراءة الكتب والمقالات المُتعلّقة بالأمر.

استحداث أساليب جديد ومفيد للتّعامل مع المُصابين: توجد عدة طرق تساعد على بناء علاقات جيّدة مع المُصابين بالاضطرابات النفسية، أو الحفاظ عليها، مثل التحلي بالصبر وإدراك أنّ عملية التّعافي قد تكون صعبة وطويلة أحيانًا.

تقديم الدعم في حال حدوث أي تغيّرات إيجابية: مثل مُلاحظة تغيّر المواقف أو السلوك، وكذلك إظهار القدرة على تفهّم جميع ما يمرّون به كما لو أنّها تجربة شخصية، وتجنّب إلقاء المواعظ عليهم وإملاءهم بما يُمكن أن تفعله لو كنت مكانهم.

منحهم التشجيع الكافي لمواصلة العلاج: رغم أنّ الخطوات الأولى تكون دائمًا صعبة، إلّا أنّه لا بدّ من محاولة تقديم المساعدة في تحديد المواعيد الأولى مع الطبيب لتشخيص المشكلة، ويُنصح حينها بتدوين أي ملاحظات أو أسئلة مسبقًا واستشارة الطبيب حولها، لمحاولة تغطية جميع الجوانب الرئيسة في المرض.    

منحهم الدّعم العاطفي اللازم: يُشار إلى أهمية بثّ وتعزيز الأمل لدى المصابين، وتقديم الدعم العاطفي لمساعدة المُصاب على تخطي مشاعر الوحدة والخجل.

مساعدتهم على تحديد الأهداف: يُنصح بمُساعدة المُصاب على تحديد أهداف واقعية يُمكن تحقيقها خطوة بخطوة والابتعاد على الأهداف غير الواقعية التي يصعب تحقيقها.

عدم افتراض معرفة حاجة المريض: من المهمّ سؤال المُصاب عن الطريقة التي يُفضّلها فيما يتعلّق بتقديم المُساعدة له.

الانتباه لبعض الكلام والتصرفات: توجد بعض النصائح والإرشادات لبعض الأمور التي يُنصح بتجنب فعلها أو قولها للمصاب بالأمراض النفسية، ومنها تجنّب كل قول قد يُشعر المصاب بأنّ طريقة تفكيره بشكل عام قد تكون سببًا لمشكلته، وكذلك تجنّب كل قول يوحي له بسهولة ما يمرّ به وأنّ غالبية الناس تمرّ بما يمرّ به هو الآن.

المرض النفسي داخل الأسرة

كيف يمكنني التأقلم والحفاظ على صحتي النفسية؟

في حال ثبوت إصابتك أو إصابة أحد أفراد أسرتك بأحد الأمراض النفسية، فمن الطبيعي أن تواجه بعض المشاعر المتناقضة مثل الغضب والشعور بالعار والذنب الشديد، لذا تذكر دائماً أنك لست مسؤولاً عن التسبب في مشاكل أفراد عائلتك أو عن إصلاح حالتهم، حيث أن الدخول في دوامة لوم الذات والشعور بالذنب من شأنه أن يترك أثاراً عميقةً على صحتك النفسية، وقد يمنعك من التأقلم مع أوضاع أسرتك، وربما يعيقك عن تقديم يد العون لهم.

ابتكر طرقًا جديدة للعناية بنفسك، تذكر دائماً أن لديك احتياجات وضغوطات مشروعة، وأنه من المقبول تمامًا أن تعتني بنفسك. حاول استبدال الأفكار السلبية بعبارات أكثر إيجابية: “أنا شخص يستحق الأفضل، هذه الحقيقة لا تعتمد على نجاحاتي أو فشلي، حياتي بها تقلبات كثيرة لكن قيمتي وتقديري لذاتي لا يتغير”.

كذلك من المهم أن تثقف نفسك بشأن مرض أحد أفراد أسرتك، بالتأكيد هذا لا يعني أنك بحاجة إلى معرفة كل شيء عن المرض النفسي لأفراد عائلتك، فوظيفتك ليست تقديم العلاج لهم، ولكن تثقيف نفسك بشأن المرض من خلال موارد موثوقة عبر الإنترنت يمكن أن تساعدك على فهم ما يواجهه فرد عائلتك وما قد يسبب مشاكل لعائلتك، كما يمكن لهذا أن يساعدك أيضًا على تهدئة الشعور بالذنب والغضب والاستياء والإحراج والعار والخوف.

ضع في اعتبارك أيضاً زيارة أخصائي الصحة النفسية بنفسك، قد تفيدك استشارة الطبيب – ليس إقراراً أو خوفاً من فرضية أنك قد ترث المرض النفسي لأحد أفراد عائلتك، ولكن نظرًا لأن أخصائي الصحة النفسية يمكن أن يساعدك على فهم كيفية تأثير المرض النفسي لأحد أفراد الأسرة على حياتك.

كما يمكن أن يساعدك الطبيب على استكشاف احتياجاتك وعواطفك غير الملباة أو المكبوتة، علاوة على ذلك، يمكن أن يساعدك اختصاصي الصحة العقلية في تعلم وتطوير طرق صحية لرعاية نفسك والتواصل مع الآخرين، والتعامل مع الصعوبات التي تواجهك في العلاقات والعواطف.

وأخيراً .. يمكن أن تساعد مجموعة الدعم التي تتعامل مع مواقف وحالات شبيهةٍ بحالتك في التقليل مشاعر العزلة والتمعن بشكل أكبر في تجربتك وسماع القصص المشابهة التي تخفف عنك، كما يمكن أن يكون طلب الدعم مفيدًا بشكل خاص عندما يكون أفراد الأسرة الآخرون غير مرتاحين أو يرفضون الاعتراف بالمشكلة.

الاضطرابات النفسية

وفي النهاية .. يجدر بك أن تتذكر أن الحياة المثالية غير موجودةٍ سوى في الأساطير، فالتقلبات والصعوبات التي نواجهها منذ طفولتنا، والمشاكل التي تترك بداخلنا أثراً نفسياً عميقاً، وربما تتطلب منّا التأقلم معها بشكلٍ أو بآخر حتى نهاية أعمارنا هي ديدنُ الحياة وطبعها.

لكن الموازنة ضرورية، وفي ظل تقديمنا يد العون لمن نحبهم من أفراد أسرتنا، لا ينبغي أن نغفل عن العناية بصحتنا وسلامنا النفسي، فنحن مسؤولون عن أنفسنا بشكلّ كلي، وفي حالتنا تلك تصبح المسؤولية تجاه ذواتنا مُضاعفة.

استحداث وحدات “صـحة نفسية لضحايا العنف الأسـري

 


استحداث وحدات “صـحة نفسية لضحايا العنف الأسـري

الدكتور عادل عامر

منذ فجر التاريخ الإنساني والأسرة تحتل مكانة رئيسة على صعيد حماية أفرادها وتربيتهم وتنشئتهم، بل إن الأسرة في الماضي كانت هي المؤسسة الوحيدة التي تؤدي معظم هذه الوظائف، ذلك قبل أن تنتزع المجتمعات المعاصرة منها تلك الوظائف شيئاً فشيئاً. ومع ذلك فما زالت الأسرة تلعب دوراً حيوياً في تشكيل شخصية أطفالها في المراحل العمرية المختلفة. لذا تعتبر الأسرة محدداً أساسياً للصحة النفسية للفرد والمجتمع، لذلك فقد أولى علماء النفس الأسرة أهمية خاصة سواء من المنظور الصحي أو الإنجابي أو من منظور مرضي، واضعين في اعتباراتهم ما للأسرة كبناء ونظام ومناخ وأسلوب حياة من تأثير فعال على نمو وتقدم أعضائها. إذ تعتبر مجالات هامة للبحث أثرتها نظريات وبحوث متعددة في الصحة النفسية، بل وتميزت تلك المجالات عن غيرها بفيض غني من المعرفة العلمية والبينية البحثية.

     ولا شك أن الصحة النفسية للأسرة تتحدد بالدرجة الأولى بمدى نجاح الزواج والسعادة في الحياة الزوجية، ولعل ذلك ما يفسر الاهتمام بالتنظير والبحث في قضايا ومشكلات الأسرة من هذا المنظور ، والتي يمكن حصرها في اتجاهات أساسية للبحث تتناول "التوافق الزواجي"، والسعادة الزوجية ، والصراع الزواجي ، والتوتر والعنف الأسري والزواجي وما تتضمنه تلك الاهتمامات البحثية من متغيرات أخرى متعددة

     وتكمن خطورة العنف الأسري بشكل عام ، والعنف الزوجي بشكل خاص بأنهما ليسا كغيرهما من أشكال العنف ذات النتائج المباشرة ، والتي تظهر في إطار العلاقات الصراعية بين السلطة وبعض الجماعات السياسية أو الدينية، بل أن نتائجه غير المباشرة المترتبة على علاقات القوة غير المتكافئة داخل الأسرة وفي المجتمع بصفة عامة . غالباً ما يحدث خللاً في نسق القيم ، واهتزازاً في نمط الشخصية خاصة عند الزوجات والأطفال مما يؤدي في النهاية وعلى المدى البعيد إلى خلق أشكال مشوهه من العلاقات والسلوك ، وأنماط من الشخصية المتصدعة نفسياً وعصبياً

    ولعل أهم ما يفسر أسباب تصدع الشخصية نفسياً وعصبياً طبيعة الأفكار التي يحملها الفرد عن نفسه ، وما تفرزه تلك الأفكار من شعور وجداني يتمثل بتقدير أو عدم تقدير تلك الذات . وهذا ما يؤكده علماء النفس الإنسانين ، وبصفة خاصة كارل روجرز الذي يُعتبر أول من وضع إطاراً متكاملاً لنظرية الذات من الناحية النظرية والتطبيقية. وهو يشير في هذا الصدد إلى أن الذات تنمو وتتكون من خلال التفاعل بين الكائن الحي والبيئة التي يعيش فيها وخاصة المحيطة به . كما يرى أن الذات قابلة للتغير والتعديل. ويشير (كولي) في هذا الصدد أيضاً إلى أن الذات تنمو من خلال التفاعل الاجتماعي ، حيث يدرك الفرد ذاته من خلال رؤية الآخرين له ، ذلك أن البيئة المحيطة هي المرأة التي تُعكَس عليها ذواتنا

     وبناءً على ما سبق ، وبالنظر إلى البيئة الزوجية باعتبارها أقرب البيئات المحيطة بالمرأة، فإنها قد تسهم في حالة اضطرابها في التأثير سلباً على الصحة النفسية  للزوجة . وفي حالة سوائها فقد تسهم في التأثير إيجابياً على الصحة النفسية لديها. كما تؤثر أيضاً على مستوى الرضا الزواجي لدى الزوجات على اعتبار أن العلاقة الزوجية التي تتسم بالعنف الزوجي هي علاقة غير مشبعة للحاجات النفسية الأساسية للزوجة وأهمها على الإطلاق الإحساس بالأمن. وهذا ما أكدته العديد من الدراسات السابقة سواء العربية أو الأجنبية التي تناولت العنف الزوجي وعلاقته بالعديد من المتغيرات المختلفة ومنها الصحة النفسية ، حيث أشارت إلى أن ما تتعرض له المرأة من عنف يحتمل أن يؤثر على صحتها النفسية بشكل واضح.

     ويمكننا التأكيد بوجود مشكلة تعاني منها النساء على مستوى العالم اسمها “العنف الذكوري”، سواء أكان الذكر الذي يمارس العنف أباً أم أخاً أم زوجاً. وفي فرنسا وحدها، تشير الإحصاءات إلى أن 400 ألف رجل ضربوا زوجاتهم، ومع ذلك يظل الحال في فرنسا أفضل من رومانيا والدول الاسكندنافية. وبعض حالات العنف تصل إلى حد القتل، وألمانيا لا تزال مشغولة منذ أسابيع بحادثة مهاجر تركي قتل شقيقته لأنها خرجت عن تقاليد العائلة. وفي إسبانيا أصيبت البلاد بصدمة بعد مقتل آنا أورانتس، وهي سيدة أندلسية ظهرت على شاشة التلفزيون وقالت أن زوجها يمارس العنف ضدها منذ زواجهما قبل عقود، فكانت النتيجة أن انتظر زوجها عودتها إلى المنزل وأحرقها حية.

     ومشكلة العنف الذكوري ضد المرأة لا يمكن حلّها بقانون وإلا لوجدت فرنسا نفسها بحاجة إلى 400 ألف زنزانة تحتجز فيها الذين مارسوا العنف ضد نسائهم. يضاف إلى ذلك أن الرجل، في كل المجتمعات والثقافات، عندما يمارس العنف ضد زوجته أو ابنته، لا يدرك أنه مخطىء، ولذلك يعتبر العقاب الذي ينزل به جراء ذلك نوعاً من الظلم. فالسارق، عندما يسرق، يعرف أنه يأخذ ما ليس حقا له، والمجرم عندما يقتل، يدرك أنه ارتكب إثما، ولذلك فإن هؤلاء يستجيبون للعقاب الذي تفرضه المحاكم عليهم، أما الذي يمارس العنف ضد زوجته فإنه مقتنع بأن الخطأ ليس مصدره المرأة دائماً.

    ولابد من الأشارة هنا إلى أن هذه المشكلة ليست مقتصرة على بلد معين أو مجتمع معين، فهي ظاهرة منتشرة في الكثير من دول العالم . حيث نستعرض هنا بعض الإحصائياًت الدولية والعربية للدلالة على حجم وانتشار هذه المشكلة . فقد أشار المكتب الفدرالي السويسري للإحصاء أن عدد القتلى من الجنسين نتيجة النزاعات الأسرية بلغ في المتوسط 26 حالة سنويا بين عامي 2000 و2004.

وذكرت دراسة نشرها المكتب أن 22 سيدة لقين مصرعهن على أيدي رجال، وأربعة رجال قضوا نحبهم بأيدي زوجاتهم عن كل عام في تلك المدة.

وتقول الإحصائياًت أن 58% من حالات قتل النساء في تلك المدة الزمنية وقعت أثناء العلاقة الأسرية ولكن في مراحل التوتر والخلاف الحاد.

وأشارت الإحصائية إلى أن 25% من حوادث القتل (أي ما يعادل 34 حادثاً) وقعت أثناء مدة الانفصال، أما النسبة الباقية 17% فوقعت بعدها.

واللافت للنظر أن قرابة نصف حالات القتل حدثت إثر تهديد مباشر من الجاني بارتكابها ، أو عقب اعتداء جسدي على الضحية، وبالرغم من أن 39% من الضحايا قمن بالفعل بإبلاغ الشرطة إلا أنّ هذا لم يوفر لهن الحماية الكافية. وتقع 41% من حالات العنف الأسري بين السويسريين، وتنخفض النسبة إلى 20% في الزيجات المختلطة بين السويسريات والأجانب، بينما تصل نسبة الأجنبيات الضحايا إلى 29% على يد أزواجهن من الأجانب أيضاً ، وفي الأغلب يكون الطرفان (أي الزوج والزوجة) من نفس الجنسية. وفي بريطانيا ، تعاني سيدة من بين كل تسع سيدات بريطانيات من الإساءة بقسوة في بريطانيا كل عام، وينحى باللائمة على العنف الأسري في وفاة 140 امرأة في البلاد في العام الماضي (2007-2008) . ومن جهة أخرى، قالت مؤسسة / ريفيوج / خلال بدء حملة الملصقات التي ستنشرها في كافة أرجاء البلاد ، والتي تتكلف مليون جنيه استرليني أن امرأة من بين كل أربع نساء بريطانيات تتعرض لمعاملة سيئة في منزلها على مدار حياتها . ويشكل العنف الأسري ما يقرب من ربع جرائم العنف وأقل من ثلث الحوادث التي تبلغ بها الشرطة، وفقاً لما ذكرت المؤسسة، التي حثت كل بريطاني على تحمل مسؤوليته تجاه تلك المشكلة.          وقالت رئيسة مؤسسة ريفيوج ساندرا هورلى"من خلال الاعتراف بأن العنف الأسري يمثل مشكلة، ومن خلال إدراك أننا جميعاً مسؤولون عن تلك المشكلة، يمكننا إحداث تغييرات في الوضع الذى نحتاج إليه                                              ".

     وتتمتع بريطانيا بسمعة سيئة في مجال العنف الأسري، حيث كشف بحث صدر مؤخراً أن أكثر من ثلث البريطانيات يقلن أنهن شاهدن أصدقاءهن وهن يتعرضن لمعاملة سيئة سواءً كان بدنياً أو لفظياً على يد أزواجهن أمام الناس (حمدونة ، 2007 :ص 68)

      كما وتشير الدراسات إلى أن الأشخاص الأكثر عرضة للعنف العائلي هم النساء والأطفال . ففي دراسة إحصائية أجريت في دائرة الطب الشرعي في حمص خلال العامين 2004-2005 تبين أن نسبة الأذيات الجسدية الواقعة على المرأة  ، والناجمة عن العنف المنزلي :                                               

- الزوج كان هو المعتدي في 98 % من الحالات.                         

 - وفي82%  من الحالات كان المعتدي مدمناً على الكحول .                 

-   وفي99 %  من الحالات حصل الاعتداء لأكثر من مرة مما يعطي مؤشراً على ميل     المرأة إلى عدم التصريح عن العنف الذي تتعرض له لأسباب اجتماعية أو عائلية أو بيئية .

- وفي 47%  من تلك الحالات كانت أعمار النساء المعنفات أقل من عشرين عاماً مما يشير إلى أن الزواج المبكر يساهم في زيادة فرص تعرض المرأة للعنف ؛ حيث تكون غير ناضجة بما فيه الكفاية للتعبير عن نفسها والدفاع عن آرائها وحقوقها ، أو عدم مقدرتها على التفاعل مع الحياة الزوجية والتلاؤم بشكل كافِ لحل مشاكلها .                           

- وفي 81%  كانت الأذيات على شكل كدمات وسحجات.                     

- وعند   %41من الحالات وجدت الأذية على الوجه والعنق.                  

 وتبين أنه ليس هناك مؤشرات ذات دلالة على علاقة العنف المنزلي الجسدي بالمستوى الاقتصادي للعائلة أو المستوى التعليمي للمرأة .

     وكشفت دراسة أعدتها مديرية الإحصاء الرسمية المغربية. أن النساء المغربيات يعانين من العنف المنزلي بنسبة 73% ، والزوجي بنسبة 63% ، والأسري بنسبة 6.1%، والعنف المترتب عن علاقات الجوار وبأماكن العمل بنسبة 4.3% ، ومن طرف الغرباء بنسبة 3.3% ، وعنف أشخاص مجهولين بنسبة 2.1%.

      والسويد احدى الدول الأوربية التي تعد في مصاف الدول الأكثر تقدماً وتنظيماً ،  إلاّ أن موضوع العنف ضد المرأة  لاتخلو منه هذه الدولة أيضاً، حيث يهتم المجتمع بكل فئاته بهذا الموضوع من خلال وجود المراكز المتخصصة لمتابعته، ففي مدينة مالمو في جنوب السويد (وهي ثالث اكبر مدينة في السويد ) يوجد فيها  مركز متخصص لمتابعة . حالات العنف الأسري والذي يطلق عليه اسم مركز الأزمات.

 وتشير الإحصائياًت المتوفرة في  هذا  المركز بوجود أعداد كبيرة من النساء اللواتي يتعرضن للعنف سنوياً من قبل أحد أفراد الأسرة .  

     ويعد مركز الأزمات في مدينة (مالمو) السويدية أحد المراكز التي تم افتتاحها في بعض المدن السويدية وخصوصاً المدن ذات الكثافة السكانية العالية ، ويهتم هذا المركز الذي افتتح في العام (2000) متخصص باستقبال النساء المتعرضات للعنف وأولادهن من قبل الزوج أو أحد أفراد الأسرة ، حيث تقدم لهن خدمات اجتماعية وإرشاديةعلى مدى الأربع وعشرين ساعة (عن طريق الهاتف أو الزيارة المباشرة للمركز) .

ويمتلك المركز سكناً محمياً للنساء المعنفات وأولادهن ، حيث يمكن أن يوضعوا فيه متى ما دعت الحاجة إلى ذلك . ومن الجدير بالذكر أن هذا المركز لا يقتصر عمله على ذلك فحسب، بل هو مركز للأبحاث والدراسة للموضوعات  التي تهتم بالعنف الأسري وبكل أشكاله .

        وفي هذا الصدد تقدم لنا الإحصائياًت المتوفرة في مركز الأزمات لمدينة مالمو في السويد في العام (2007 ) حجم هذه المشكلة .

 اذ سجلت لدى  دوائر شرطة مالمو( 291)  دعوى عنف داخل  الأسرة ،  كما تضيف إحصائياًت مركز الأزمات  إلى التزايد  المستمر في عدد النساء اللواتى طلبن الحماية والمساعدة في العام  2007  عنه في العام 2006.

 ففي العام 2007 حصلت( 247 ) امرأة على المساعدات المتنوعة وهي على شكل مساندة اجتماعية ونفسية وقانونية من خلال زيارتهن للمركز ، و(78) امرأة حصلن على سكن محمي بسبب خطورة أعمال العنف الموجه ضدهن.

إن العنف ضد المرأة يميل إلى الزيادة والتفاقم في أي حالة طارئة، بما فيها الأوبئة. ويمكن أن يشتد خطر معاناة النساء من العنف نتيجة للضغوط النفسية، وتفكُّك الشبكات الاجتماعية وشبكات الحماية، وزيادة الصعوبات الاقتصادية، وانخفاض فرص الحصول على الخدمات.

ويأتي إقليم شرق المتوسط في المرتبة الثانية على مستوى العالم من حيث انتشار العنف ضد المرأة (37%). ويرجع ذلك إلى النُظُم الهيكلية لعدم المساواة بين الجنسين في مختلف مستويات المجتمع، والأمر يتفاقم بفعل الأزمات السياسية وعدم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في الإقليم.

كما أن الإقليم يواجه طوارئ إنسانية أكثر من أي مكان آخر في العالم، وبه عدد هائل من اللاجئين والسكان النازحين داخلياً. ينبغي لمرافق الرعاية الصحية تحديث مسارات الإحالة للخدمات المتاحة محليًا لتشمل معلومات عن خدمات الدعم النفسي الاجتماعي والمشورة، وخدمات الحماية، والخطوط الساخنة، والملاجئ. يجب أن يكون مقدمو الخدمات الصحية على دراية بمخاطر زيادة العنف ضد المرأة خلال هذه الفترة، لكي يتمكنوا من تقديم الرعاية الصحية المناسبة والرؤوفة للناجيات حينما يلجأن إلى المرافق الصحية (سواء كن مُصابات بكوفيد-19 أم لا، وسواء أفصحن عن تعرضهن للعنف أم لم يُفصحن). فبإمكان مقدمي الخدمات الصحية مساعدة الناجيات وتقديم الدعم الأولي والعلاج الطبي المناسب لهن. وتؤثر تدابير العزل وتقييد الحركة والبقاء في المنزل لاحتواء انتشار العدوى أثناء جائحة كوفيد-19 تأثيرًا حادًا وبخاصة على المرأة. وتزداد بشدة فرص تعرُّض النساء وأطفالهن للعنف، إذ يضطر أفراد الأسرة للبقاء معاً وقتا أطول، وتشتد الضغوط النفسية التي تتعرض لها الأسرة، وتتفاقم تلك الضغوط حينما تعاني الأُسرة أيضاً من الخسائر الاقتصادية أو فقدان الوظائف.

وتشير المعلومات الأولية الواردة من بلدين اثنين من بلدان الإقليم إلى زيادة تتراوح بين 50 و60% في عدد الحالات، استناداً إلى اتصالات طلب المساعدة من الناجيات من العنف عبر الخطوط الساخنة للمنظمات النسائية.

وتعاني الخدمات الصحية التي تعالج تلك المشاكل مثل التدبير العلاجي للاغتصاب، ودعم الناجيات عبر الخطوط الأولى، وخدمات الصحة النفسية الأساسية، تعاني تلك الخدمات كلها من الإنهاك بسبب أعباء الجائحة. وقد يكون لذلك نتائج مأساوية، لا سيما في البلدان ذات الخدمات الصحية والموارد المالية المحدودة وفي الأوضاع الإنسانية الصعبة.

وينبغي إيلاء اهتمام خاص للفئات الأشد ضعفاً، ومن ضمنها النساء ذوات الإعاقة، اللاتي يتعرضن لخطر متزايد من العنف المنزلي، وقد يواجهن مزيداً من العقبات في الوصول إلى الخدمات التي يحتجن إليها، مثل المساعدة الاجتماعية والرعاية المنزلية، بسبب حظر التجول والتباعد الاجتماعي أو القيود المفروضة على التنقل.

المشاركات المميزة

الاهمال والفساد واثرهما علي الاقتصاد

  الاهمال والفساد واثرهما علي الاقتصاد الدكتور عادل عامر أن الإهمال والفساد وجهان لعملة واحده ولكن ما شهدناه ورصدناه شيء لا يصدق و تغول ...