ظاهرة غسل الأموال، إطار نظري وتحليلي
الدكتور عادل عامر
هناك العديد من
الأبعاد النظرية التي يتم طرحها وتناولها عند تحليل ظاهرة غسل الأموال وتأثيراتها
في الاقتصاد العالمي أو في الاقتصادات الوطنية. وتعرض النقاط التالية بعض من هذه
الأبعاد وتقدم تحليلًا مقتضبًا لها:
-1
المفهوم
الاقتصادي لغسل الأموال:
يمكن تعريف غسل
الأموال من منظور اقتصادي على أنه كافة الأنشطة المالية التي تهدف بالأساس إلى
إخفاء مصادر الأموال غير المشروعة وإعادة إدخالها في دورة النشاط الاقتصادي
لتُعَامَل معاملة الأموال المشروعة. وعلى الصعيد الدولي، فلقد استقر تعريف نشاط
غسل الأموال في اتفاقية فيينا لعام 1988 مادة رقم 3.1 على أنه “تحويل الأموال أو
نقلها مع العلم بأنها مستمَّدة من أيَّة جريمة أو جرائم، بهدف إخفاء أو تمويه
المصدر غير المشروع للأموال أو قصد مساعدة أيّ شخص متورَّط في ارتكاب مثل هذه
الجريمة أو الجرائم على الإفلات من العواقب القانونية لأفعاله”.
وأمام تعريفات
متعددة لعمليات غسل الأموال، يصح القول إن الهدف الرئيسي لها هو الإخفاء والتغيير
وإعادة التدوير. فعمليات الإخفاء المتعمد والتغيير المقصود وإعادة الإدخال لأي قدر
من رؤوس الأموال يدخل بالمفهوم ضمن أنشطة غسل الأموال.
-2
جدلية النشأة لظاهرة
غسل الأموال:
ليس هناك تاريخ
معين يمكن الإشارة إليه على أنه هو الذي شهد ميلاد ظاهرة غسل الأموال. ذلك أن هذه
الظاهرة الإجرامية غير المشروعة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بطبيعة الأنشطة الاقتصادية
نفسها، وتتطور مع تطور الظواهر المالية والنقدية المشروعة. كما أن ارتباطها
بالجريمة المالية وبالأموال غير المشروعة يجعلها تضرب بجذورها في عمق التاريخ
الاقتصادي والاجتماعي للنشاط الإنساني نفسه. ومع ذلك، ورغم أنه لا يوجد تاريخ محدد
لنشوء هذه الظاهرة في الاقتصاد العالمي، لكن تفاقمها على الصعيد الدولي له العديد
من الأسباب ويرتبط بظهور العولمة في الأنشطة الاقتصادية على ما سيتضح في موضع تالٍ
من هذا التحليل.
ولما كانت
الأموال المولدة من المعاملات الاقتصادية غير المشروعة هي نقطة البداية في نشاط
غسل الأموال، فإن النشأة الأولى لهذه الظاهرة ارتبطت بالجريمة الاقتصادية نفسها،
أو بالجريمة غير الاقتصادية لكنها ذات مردود اقتصادي مرتفع. وبطبيعة الحال، فإن
هذا النوع من الجرائم له امتداد تاريخي واضح.
وبالتالي، فإن الحديث عن نشأة جريمة غسل الأموال
ينقلنا مباشرة للبحث في منشأ العوائد والأموال غير المشروعة؛ تلك التي شاعت مع
شيوع الجريمة بعد ظهور النقود بديلًا لعمليات المقايضة البدائية. وحري بالتأكيد
هنا أن ازدهار الإحصاءات الاقتصادية واكب ظهور العمليات المصرفية والتي تطورت
بظهور البنك الحديث ودوره في خلق وإعادة تدوير الأموال بين الأنشطة الاقتصادية
المختلفة. ومن ثم، فإن للنظام البنكي المحلي والعلاقات المصرفية الدولية نصيبًا
دائمًا من الجدل الذي يدور حول نشأة ظاهرة غسل الأموال. وبالإضافة لعلاقة النظام
البنكي بشيوع جريمة غسل الأموال، فإن التحولات الرقمية في عمل النظام المالي، مع
اتساع رقعة المعاملات المالية بالإنترنت، قد لعبا دورًا شديد الوضوح في انتشار هذه
الجريمة محليًا ودوليًا. بل يمكن القول إن الرافد الحالي لهذه الظاهرة يعتمد على
الرقمنة والإنترنت وأفول عصر النقود الورقية.
وحري بالبيان
هنا أن انتشار جريمة غسل الأموال راجع أساسًا لوجود معضلة اقتصادية تنطوي عليها
هذه الجريمة الاقتصادية، وهي المنافع الاقتصادية المباشرة التي تولدها عبر سلسلة
غسل الأموال المحلية والدولية. فبينما ينعقد الإجماع الدولي والمحلي على ضخامة
الأضرار الاقتصادية وغير الاقتصادية التي تصحب هذه الجريمة على الأجل الطويل وعلى
صعيد متغيرات الاقتصاد الكلي، فإن الأجل القصير يحمل بعض المنافع الآنية لأطراف
هذه العملية،
بما فيهم
الأطراف المؤسسية الوسيطة. فهذا النوع من المؤسسات المالية الوسطية التي تتقبل
الدخول في دائرة غسل الأموال تجني منافع وعوائد اقتصادية من هذه الإيداعات قد
تتساوى – أو حتى تتفوق – مع منفذي الجريمة؛ إما نتيجة حاجتها لهذه الأموال أو لما
يعود عليها من توظيفها. ومن هنا، فإن التنظيمات المانعة والمحاصرة لهذه الجريمة
يجب أن تبني خططها واستراتيجياتها في ضوء هذه الحقيقة وصولًا للحد الأعلى من
الامتثال للمؤسسات المالية المحلية والدولية.
-3
جوانب فنية في
أنشطة غسل الأموال:
وبعيدًا عن
الجوانب التاريخية، وبانتقال التحليل للواقع الراهن في محاولة لفهم أشمل لظاهرة
غسل الأموال، فمن المتعين الآن تقليب النظر في الجوانب الفنية في الأنشطة المرتبطة
بهذه الظاهرة الإجرامية. ولرسم صورة دقيقة لنشاط غسل الأموال، فمن المهم تناول أهم
مصادر الأموال غير المشروعة، وآليات ومراحل تحويل المال غير المشروع، ومحاولات
إضفاء المشروعية على رؤوس الأموال المغسولة لتدخل ضمن المعاملات المالية المشروعة.
فأما عن مصادر
الأموال التي يتم غسلها، فهي تتركز في حصيلة الإتجار في السلع والخدمات غير
المشروعة وفقًا للقوانين والغش التجاري، بالإضافة لأنشطة التهريب عبر الحدود
الدولية و/أو من المناطق الحرة داخل الدولة. كما تتمثل مصادر هذه الأموال في أنشطة
السوق الموازية للسلع أو المضاربة على الصرف الأجنبي للعملات الوطنية، ناهيك عن
الأموال المولدة من الرشوة والعمولات والاختلاسات وأوجه الفساد الإداري في دولاب
العمل الحكومي المختلفة. كما يضاف لمصادر المال غير المشروع أنشطة التهرب الضريبي
وعوائد التزييف والتزوير والنصب على المؤسسات والأفراد والأنشطة الأمنية غير
المشروعة.
وأما عن الآليات
والمراحل التي تمر بها عملية غسل الأموال، فإنها عادة تتبع ثلاث مراحل إجرائية
للإفراج النهائي عن الأموال المغسولة في النظام المالي المشروع. والمراحل هي:
الإيداع بهدف
إبعاد الأموال عن الارتباط المباشر بالجريمة التي ولّدت هذه الأموال. ففي حالة
التهرب الضريبي مثلًا، فإن الإبعاد يسعى لقطع الصلة بين قيمة الضرائب المتهرب من
دفعها وبين الموازنة المالية التي تظهر فيها هذه الأموال.
التمويه أو
التستر على المسار لتضليل الملاحقة. وفي حالة التهرب الضريبي، فإن التمويه يتمثل
في المعالجة المحاسبية لقائمة الدخل لكي يتم إبعاد رصيد الضرائب المتهرب من دفعها
وإدراجها في بنود مالية لا ترتبط ظاهريًا بالأرباح المستحق عنها ضرائب.
الإدماج، ويتمثل
في إتاحة الأموال للمجرم من مصدر يبدو أنه مشروع. وفي هذه المرحلة، يتم تنظيف
المال المكتسب ليبدو أنه مولد من نشاط مشروع. وفي حال المعالجات المحاسبية للضرائب
المتهرب منها، فإن إدراج هذه الأموال في عوائد أنشطة وهمية يعتبر وسيلة من وسائل
إعادة إدماج هذه الأموال في رؤوس الأموال مرة أخرى
وعمومًا، فعند
التعامل مع البنوك وشركات الصرافة بهدف غسل الأموال، فمن الشائع اللجوء لفتح عدد
كبير من الحسابات المصرفية في البنوك المحلية والدولية وإجراء معاملات متكررة على
هذه الحسابات والقيام بتحويلات مستمرة بين هذه الحسابات. كما يتم اللجوء للمعاملات
المالية غير المصرفية عبر شراء الأصول العالية القيمة.
2.
محددات تنامي
أنشطة غسل الأموال:
كغيرها من
الظواهر الدولية، تساهم محددات متنوعة في رواج أنشطة غسل الأموال عالميًا. إذ إن
توافر مثل هذه العوامل وتفاعلها فيما بينها يؤثر في اتجاهات أنشطة غسل الأموال وفي
نوعيتها وعمقها وشمولها..
وفي الختام، فإن
جرائم غسل الأموال ليست مجرد مخالفات مالية، بل تمثل تهديدًا شاملًا للاقتصاد
والأمن والاستقرار الاجتماعي. ومن ثم، فإن التصدي لها يتطلب تكامل الجهود بين
المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع الدولي، في إطار استراتيجية شاملة
تستهدف تجفيف منابع الأموال غير المشروعة، وتعزيز الشفافية والنزاهة في المعاملات
الاقتصادية.
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق