نقد العقل العربي
الدكتور عادل عامر
لقد اختزلت
مشكلة العرب لدى هؤلاء وسواهم، بالعقل المحافظ، التقليدي، غير القابل للثورة على
القديم، والمعتمد بشكل كلي، على المفاهيم العقلية الغربية. وبذلك أغلق الطريق
بوجهه. ولم تعد لديه فرصة للنجاة إلا بالهجرة، أو الاضمحلال، أو الموت.
ولم يقترح هؤلاء
حلولاً ما، لهذه الأزمة. مثلما فعل الآسيويون، وغيرهم في القارات الأخرى في زمن
متأخر. فقد تجاوزت اليابان أزمتها باستنساخ التجربة الأوربية في أواخر القرن
التاسع عشر، وغادرت الصين ضعفها حينما قام دنغ هسياو بنغ في ثمانينات القرن الماضي
باستنساخ تجربة سنغافورة، القريبة منها. وهي بلد صغير لا تزيد مساحته عن 700 كيلو
متر مربع،
ولا يتجاوز عدد سكانه الثلاثة ملايين! ولم يسأل أحد اليابانيين والصينيين
مثلاً، إن كانوا تخلوا عن الحقيقة المطلقة التي آمنوا بها آلاف السنين، وأحلوا
محلها الحقيقة الموضوعية اللايقينية.
وهل أضفوا صفة المطلق على العلم، ليجعلوا منه
معرفة مقدسة، كما يراد للعرب أن يفعلوا، أو لا. وإذا كان نقد العقل العربي غير قادر
على إيجاد حلول، فما نفعه إذن. وما هي ضرورته كي يقرأه الناس، ويفتتنوا به، إلا أن
يكون مجرد تنظيرات لا تثبت حقاً ولا تدحض باطلاً؟
تباينت وجهات
النظر والخلفيات الفكرية ومناهج المفكرين العرب المعاصرين في نقد العقل العربي،
ودفعنا هذا الأمر إلى مواجهة هذه التصنيفات التي أشار فيها برهان غليون إلى كثير
من المفكرين ضمن التيار التغريبي. هذا وقد أفتى بأن العقل العربي قد تشكل بصورة
نهائية في فترة ما من التاريخ، وأن العقل المعاصر مرتهن لعوائق تلك الصيغة
وإشكالاتها، ويعني أن العقل العربي في التراث غير العقل العربي المعاصر، وهذا ما
يثبت أن العقل العربي بوصفه فكراً موجود قبل أي ثقافة، مثلما أن عقل أوروبا في
العصر الوسيط غير عقل أوروبا في عصر النهضة. ثم دعا غليون إلى تأسيس عقلانية حديثة
بين أزمة المجتمع وأزمة الفكر والثقافة، وبهذا المعنى نجد أن من مظاهر الاختلاف
بين المفكرين العرب المعاصرين المشتغلين بإشكالية العقل والعقلانية، أن يدعو بعضهم
إلى استعادة التراث استعادة نقدية، أما بعضهم الآخر فيرى أن ما يفيد هو طي الصفحة
وقطيعة نهائية مع التراث.
ومن المؤكد أن
سبباً وجيهاً في هذا الطرح ينحصر في خشيتهم على ذلك العقل، وقيمة العقلاء
والمفكرين والأثر البالغ في نقده، فإذا أردنا تسليط الضوء على العمل العلمي الذي
أنجزه «الراحلان محمد أركون ومحمد عابد الجابري، منذ ثلث قرن؛ الأول في نقد العقل
الإسلامي، والثاني في نقد العقل العربي، لوجدنا أن مشتَرَكاً معرفيَّاً قام بين
العَمَليْن المتزامنين؛ في الموضوعية والغاية المعرفية من النقد، إلا إن مساحات
الاختلاف بينهما في المناهج، والنظام المفهومي، وطريقة المقاربة، ومساحة الموضوع
المقروء، واسعة وغير قابلة للتجاهُل، لأسباب عدة؛ أقلها الاختلاف في المصادر
المعرفية، وفي عُدّة الاشتغال النظرية، وفي الاستراتيجية المعرفية».
من هنا؛ يأتي
كتاب «تكوين العقل العربي» لمحمد عابد الجابري في تحديد موقفه من: «العقل العربي
الذي قال عنه إنه يفكر بطريقة معيارية... أي إنه يَختزل الأشياء في قيمتها فتضيق،
ولا يبقي لها مجالاً للتحليل أو بعد النظر. إنه قليلاً ما يتمكن من فعل العكس وهو
التفكير بطريقة موضوعية وتحليل الأشياء من حوله»، لذلك لا يستطيع أحد أن ينكر أن
الحضارة الإسلامية، مثل غيرها من الحضارات، لم تنشأ من فراغ ولم تظهر من العدم؛ بل
سبقتها حضارات عريقة أثرت فيها، واستنبط العقل الإسلامي منها مشروعاً علمياً
مميزاً؛ لأن العقل العربي من قبل الإسلام اتصف بنوادر عدة لم يجدها الغرب في
زمانهم، وقد كوّن مساحة من الاختلاف حوله؛ فمنهم من تساءل: هل ثمة شيء اسمه فكر
عربي؟ وهل الفكر العربي حي يرزق أم إنه لم يولد أصلاً؟
وبناء على هذه
التساؤلات، سأقدم إجابات مختصرة: نعم يوجد فكر عربي مستقل عن الثقافة الغربية وعن
الثقافة الإسلامية، فقد أدرك العرب قبل الإسلام علوماً عظيمة في جميع التخصصات
والأقسام، وما أحرزه العالم في هذا العصر نتيجة تركيبات عتيقة طورها العقل من
قيمها الأساسية قدم العلماء حزمة من المعارف استفاد منها الغرب واستمرت إلى ما بعد
ظهور الإسلام، فإذا ذهبنا إلى ما انتهى إليه البعض في تحليل العقل العربي، فإننا
نجد أن الخطابين العربي والإسلامي القديم اقترنا في التعريف، ولا يمكن أن نذكر
الخطاب العربي دونما نتبعه بالخطاب الإسلامي.
تباينت ردود
الفعل من الجماهير من منطلقات مختلفة، فقد ارتبط العقل العربي بالإسلامي، فالثقافة
في مجملها ثقافة عربية - إسلامية. لم يترك لنا الجابري مجالاً إلا وسجّله مع
المفكرين والباحثين العرب طوال سيرته الفكرية، فإذا كان العقل التراثي باقياً رغم
تأسيس عقلانية حديثة؛ فلماذا خلفه أصوات تشكك في ذلك التأسيس؟
العربي المعاصر
يستمد علومه وطاقته المعرفية من المادة الدينية، وما نخلص إليه في هذا الظهور
الجديد هو ما حملناه معنا في عصرنا من تراث بعضه مناسب والبعض الآخر لا يصلح لأن
يكون حياً، وقد صنع تناقضات ذاتية في قلب القاعدة الاجتماعية.
وعلى هذا الأساس
تبنى الجابري المنهج الإبستمولوجي بغية التمكن من تفكيك العقل العربي والكشف عن
مكوناته، ولم يدخل في مضمار العلوم الإنسانية والمجتمع.
إذن؛ يبدو أن
مقاربة الماضي بالحاضر لها أهمية في العقل العربي وتأثره بالموروث من ناحية؛
والانخراط في عصر المستجدات من ناحية أخرى، مما يجعلنا نجزم بأن الثقافات الثلاث
ينفصل بعضها عن بعض، وكل ثقافة لها فوائد على الأخرى، ويصعب التحرر من الربط بينها
لولا اجتهادات كثير من العلماء والباحثين والمفكرين لتوضيح وتفنيد أن الفكر العربي
موجود قبل أي ثقافة ينتمي لها.
"يمكن
القول: إن الدور الذي تقوم به فكرة الله في الفكر اليوناني- الأوربي، تقوم به
الطبيعة في الفكر العربي، دور الوسيط أو القنطرة"
، والحال؛ أنه إذا كان العقل الأوربي
ذو المنزع الطبيعي، يعمل على اكتشاف الظواهر الطبيعية، واستخراج العلل المسببة
فيها، في أفق السيطرة على الطبيعة، وذاك ما سيكون جوهرًا لمشروع الحداثة لاحقًا؛
أي نزع الطابع السحري على الطبيعة، وتذليلها لصالح الإنسان؛ فإن المسار الذي اختطه
العقل العربي لنفسه، حين جعل محوري العلاقة فيها بين الإنسان والله، هو مسار يؤدي
إلى بناء معرفة معيارية- أخلاقية، تحاول التمييز في الأشياء بين الخير والشر، وكما
يقول عابد الجابري: "مهمة العقل ووظيفته؛ بل وعلاقة وجوده، هي حمل صاحبه على
السلوك الحسن، ومنعه من إتيان القبائح"
وحتى يسهل تتبع أسس التفكير فإنه يقسم
الثقافة العربية إلى ثلاثة أنواع : ثقافة بيانية وهي تهتم باللغة العربية والفقه
وأصول الفقه وعلم الكلام، ومحور الإشكالية التي يحاول هذه النوع من الثقافة هو
العلاقة بين اللفظ والمعنى. وتبرز هذه الإشكالية من أين نبدأ؟ ففي العلوم العربية
و تفسير القرآن والحديث وأصول الفقه وعلم الكلام عادة تبدأ من اللفظ لتحدد المعنى
وليس العكس، وهنا مكمن الضعف أساس هذه الثقافة فهي تقدم الألفاظ عن المعاني والعكس
هو الصحيح.
يأتي بعدها أخلاق الصوفية والمتمثل في
أخلاق الفناء والوحدة منتهية إلى فناء الأخلاق وارتفاعها عن القطب والغوث والمريد!
أما الموروث اليوناني والمتمثل في أخلاق السعادة فإنه لم يدخل الثقافة العربية إلى
كالدواء للأخلاق الرديئة ولم تنتشر فكرة اليونان حول سعادة الفرد الأساسية والتي
تبنى عليها سعادة المدينة لان أخلاق الطاعة والسلطان فرضت نفسها على مدينة أفلاطون
الفاضلة ولم تجعل لأخلاق السعادة أي مجال.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق