الأحد، 5 أبريل 2026

الاهمال وازهاق الارواح

 


الاهمال وازهاق الارواح

الدكتور عادل عامر

هيئة السكك الحديد، فهي الأولى في الشرق الأوسط وإفريقيا، والثانية على مستوى العالم بعد نظيرتها البريطانية، أنشئت عام 1834، وبعد نحو قرنين تبدو متهالكة للغاية، برغم تصريحات كثيرة ومتكررة عن خطط تطويرها. ويظل المواطن يتحمل فاتورة الأخطاء والإهمال الذى استشرى في الهيئة منذ عقود، كما يعيش مأساة حقيقية في ظل حوادث القطارات المتتالية، والتي ينتج عنها كل يوم إزهاق أرواح المواطنين دون توقف.

 ، فإن السكة الحديد تتكبد خسائر بالمليارات تعدت تقريبا 45 مليار جنيه،  ويجب ان يتم تغيير جذري وهيكلة في الهيئة، وإتاحة دورات تدريبية للعاملين الاهمال يمثل القاسم المشترك لغالبية حوادث الحرائق التي تقع ان غالبية الحوادث المرورية او الحرائق في المنازل او المحلات ناجمة عن الاهمال وعدم وجود الادوات اللازمة لإخماد الحرائق المتأمل في كل الحوادث والحرائق الكارثية التي تقع في العديد من بقاع الوطن،

 ومهما كانت المزاعم والمسببات وراءها، يجد أن المشكلة ليست في عدم وجود قوانين للحد منها ومعاقبة المتسبب فيها بقدر ما هو الإهمال وضعف العقوبة وشيوع الجريمة وقبل ذلك كله عدم حرص الدولة بأجهزتها الرقابية علي القيام بدورها المتمثل في تطبيق تشريعات السلامة والصحة المهنية.. وأبرزها في القانون الخامس رقم 12 من قانون العمل لسنة 2003 الذي ينص من المادة 202 إلي المادة 231 وذلك في 7 أبواب التي تتضمن كل ما يتعلق بتأمين المنشآت والعمال وبيئة العمل وتنظيم أجهزة السلامة والصحة المهنية، كل ذلك علاوة علي قرارات وزير القوي العاملة أرقام 114 و126 و134 لسنة 2003

 وجميعها قوانين وقرارات تنص علي وجود مركز قومي لدراسات الأمن الصناعي يختص بوضع الخطط المركزية للبحوث والدراسات في مجال السلامة والصحة المهنية وتأمين بيئة العمل وكذلك تشكيل مجلس استشاري أعلي للسلامة والصحة المهنية وتأمين بيئة العمل، علاوة علي تشكيل لجنة استشارية للسلامة والصحة المهنية وتأمين بيئة العمل برئاسة السيد المحافظ في كل محافظة.. وجميعها أحكام لقوانين وقرارات تسري علي جميع مواقع العمل المختلفة والمقرات الحكومية، علي أن تختص اللجان بمناقشة وبحث ظروف العمل وأسباب الحوادث والإصابات والأمراض المهنية ووضع القواعد والاحتياطات الكفيلة بمنعها والعمل علي إزالة المخاطر والملوثات في بيئة العمل، خاصة المخاطر الفيزيائية والكيميائية والكهربائية والتأكد من القياسات والمعايير الآمنة.

. ولذلك وبالتحديد في الفصل الثاني من الباب الأول بالقانون الخامس رقم 12 من قانون العمل تنص المادة 1 علي أن كل منشأة اتخاذ الاحتياطات والاشتراطات الأساسية لتوفير السلامة والصحة المهنية من حيث موقع العمل، مقاول الباطن، الرخص، أعمال الصرف وحماية البيئة والمرافق العامة، غرف خلع الملابس، التدخين وتناول الأطعمة وأعمال الصناعة. كما نجد المادة 2 من الفصل الثالث تنص علي أن تلتزم كل منشأة بتوفير اشتراطات واحتياطات الوقاية من الحريق بالتنسيق مع وزارة الداخلية، إلي جانب ما يتضمنه الفصل الرابع من خطة الطوارئ بمقتضي المادة 3 التي تلزم كل منشأة وفروعها بإجراء تقييم وتحليل للمخاطر والكوارث الصناعية والطبيعية المتوقعة وإعداد خطة الطوارئ لحماية المنشأة والعاملين بها عند وقوع الكارثة.. فالمشكلة ليست في القوانين وإنما في القائمين علي تطبيقها من عدمه.

 حوادث القطارات في مصر خلال الخمسة عشر عاما الماضية وتوالت معها إزهاق أرواح المصريين على قضبان السكك الحديد، وتعددت أسباب هذه الحوادث ما بين الإهمال والفساد، وراح ضحية هذا الإهمال المئات من المصريين. وقع حادث قطار "الصعيد- العياط"، الذي اندلعت النيران في إحدى عرباته وراح ضحيته أكثر من 361 مواطنًا. اصطدم قطاران بالقرب من مدينة الإسكندرية، ما أدى إلى إصابة نحو 20 شخصا، وإتلاف 4 عربات.

 اصطدم قطار شحن بآخر، في إحدى محطات قرية الشهت بمحافظة الشرقية، ما أدى إلى إصابة 45 شخصا. لقي 66 شخصا على الأقل وأصيب 144 في اصطدام قطارين كانا يسيران على السكة نفسها، أحدهما قادم من المنصورة متجها إلى القاهرة، والآخر قادم من بنها على نفس الاتجاه، ما أدى إلى وقوع تصادم عنيف بين القطارين. انفصلت 19 عربة من قطار بضائع متجه من سوهاج إلى أسيوط، وتسببت في إصابة شخصين في مزلقان طهطا القبلي، ومصرع طفل في مزلقان طهطا البحري وتوقفت العربات المنفصلة بعد سيرها 6 كم بمحطة سكة حديد "نجا" وتوقف الجرار وباقي العربات بمحطة سكك حديد طما.

 لقي 58 شخصا على الأقل مصرعهم وأصيب 60 آخرين، عندما اصطدم قطار بعدد من السيارات عند مزلقان بالقرب من مدينة مرسى مطروح. وقع تصادم بين قطارين في منطقة العياط على طريق "القاهرة-أسيوط"، وأدى لمصرع 30 شخصا وإصابة آخرين، حيث تعطل القطار الأول وجاء الثاني ليصطدم به من الخلف. انقلبت قاطرة رقم 3016، وسارت 6 كيلو بدون سائق، بعدما تركها السائق في ورش الإصلاح دون توثيق المكابح، وقتلت اثنين وأصابت 10 أشخاص، وحطمت 5 سيارات. تحرك القطار رقم 1906 المتوقف بمحطة مصر فجأة، وفشل سائقه في السيطرة عليه بسبب عطل الفرامل، حتى اصطدام بمسجد المحطة بالإسكندرية، وأصيب في الحادث 3 ركاب.

في هذا الصدد، حرص الجميع على الإشارة إلى أن عدد حوادث القطارات التي وقعت في مصر عام 2016 بلغ 1249 حادثة، مقابل 1235 حادثة في عام 2015، مع التأكيد على أن «العامل البشرى أعلى الأسباب في نسبة الحوادث». كان لحادث العبارة الشهير، الذى تسبب في غرق أكثر من ألف مصري، في 2006، وقبله حادث قطار الصعيد، الذى أودى بحياة 370 شخصاً، في 2002، دور كبير في بلورة صورة نظام مبارك لدى المواطنين، وهى صورة أضرت بمركز هذا النظام أكثر مما فعلت المؤامرات التي استهدفته.

الإهمال عدو خطير، ومواجهته أصعب وأهم من مواجهة المؤامرات. لهذه الأسباب مجتمعة، يبدو أن أخطر ما تواجهه بلادنا ليس المؤامرات التي تحاك ضدها، والتي يمكن ببساطة تعيين مصدرها، ورصد أثرها، والعمل على إجهاضها، من خلال الاصطفاف في مواجهتها. إن أخطر ما تواجهه بلادنا ليس سوى الإهمال ونقص الكفاءة، وعدم القدرة على تنظيم الأداء العام، وفقدان المعايير، وغياب المساءلة والمحاسبة. إن حوادث القطارات لن تنتهى طالما لايزال الفساد ينخر في جسد السكك الحديدية، ضرورة إحالة جميع مرتكبي وقائع الفساد والإهمال المتعمد داخل السكك الحديدية إلى القضاء والمحاكمات العاجلة للقصاص منهم. ما ذنب العشرات من الضحايا الذين راحوا ضحية الإهمال المتعمد في حادث قطاري الإسكندرية.

إننا بالفعل نحتاج إلى ثورة لبناء الإنسان المصري من جديد؛ لا ثورات الغضب والاحتجاج والوقفات غير المنطقية على سلالم النقابات والدوائر الحكومية طلبًا للمزيد من حفنات النقود، ثورة بيضاء لإعادة غرس بذور الانتماء والكبرياء الوطني في تربة النفوس التي تكلست بفعل المد الدولاري والنفطي في الجذور، وهذه التربة لن تثمر سوى المزيد من فطريات الشوك والحسك تحت أقدام العابرين على طريق المستقبل، والتي لا تعطي ظلاً ولا فيئًا يستجير فيه كل من يهرب من جحيم الحياة، ثورة تعيد تصحيح المفاهيم الدينية والعقائدية والسياسية؛ بالجدال بالتي هي أحسن، كما دعت إلى ذلك كل الشرائع السماوية والوضعية.

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات المميزة

الاهمال والفساد واثرهما علي الاقتصاد

  الاهمال والفساد واثرهما علي الاقتصاد الدكتور عادل عامر أن الإهمال والفساد وجهان لعملة واحده ولكن ما شهدناه ورصدناه شيء لا يصدق و تغول ...