العنوسـة في الوطن العربي
العنوسة في
الوطن العربي..
الدكتور عادل عامر
من الطبيعي جدا نظرا لارتفاع معدلات إنجاب الفتيات
عن الذكور وارتفاع تكاليف الزواج في ظل الحالة الاقتصادية المعدمة لدي الكثير جدا
من الشباب أن تكون هناك معدلات عنوسة مرتفعة لدي الفتيات ولكن الذي يدعوا في ظاهرة
إلي الدهشة وإضافة الكثير من علامات التعجب والاستفهام هو حدوث تلك الظاهرة
وكل ما
تحمله في داخلها من اجتياح رهيب لعرين الأسر المسلمة حقاً وحصن الفتيات اللاتي قد
أطلقن العنان لطاعة الله ورسوله والتزموا بما أمرهم الله به وابتعدوا عما نهاهم
الله عنه طامعين بذلك في رضي المولي عز وجل راجيين الله تعالي أن يرزقهم الزوج
الصالح لكي يكون لهم حصادا لما زرعوه بداخلهم من حبا وطاعة لله ولرسوله صلي الله
عليه وسلم.
كنا من
زمنً ليس ببعيد نطوق شوقا للسماع عن فتاة بهذه المواصفات ونهرول إليها للحاق بها والدعاء
من كل أهلك بأن تكون لك زوجة وأن تظفر بها ما تراه عينيك أخي الشاب من اتساع فجوة
الانحراف الأخلاقي والضعف الإيماني المتواجد لدي الكثير من الفتيات والذي ينم
بالطبع عن نتيجة واحدة وهي نضرة وجود فتاة ذات دين وخلق.
. تأتي هذه الظاهرة لكي تعكس تماما ما تراه عينيك
وما يصدق
ه عقلك بمنطقه الظاهري لنجد أمامنا حقيقة لا يمكن
أن نغفلها أو نتجاهلها بأن هناك الكثير والكثير من الفتيات المسلمات اللاتي يتمتعن
بحسن الخلق والتدين الحق ولم يعرف الشاب طريق الوصول إليهم أو الظفر بهم. وبالطبع
اسمع الآن من غالبية من بدأ في قراءة الموضوع من الشباب سؤال يسأل ويخرج معه
امتعاضً بهمهمة.. (( همة فين دول يا عم.. دول انقرضوا من زمان.. واضح انك مش يتمشي
في الشارع.. ولا بتفرج علي التلفزيون.. ولا أقولك واضح انك مش عايش معانا أساسا
))..
ولكي أجيب علي تسأ ولاتك هذه أصدقني القول أنت
أولا أين تريد أن تري تلك الفتاة ؟؟تمشط شوارع المدينة تجولا طوال الليل والنهار
.. تتنزه في الأسواق والمولات. سفيرة دائمة في الكافيتريات والسينمات.. نزيلة في
أماكن السهرات والحفلات.. حريصة كل الحرص علي الوقوف في شبابيك المنزل وفي
الشرفات.. هل هذا ما تراه عينك ؟؟ إن كان
؟ فمعك كل الحق في أنك لم ولن تجد فتاة تظفر
بها.. إن ما تبحث عنه لن تجده في هذه الأماكن أخي الكريم وإن أردت أن تعرف حقيقة
ما أتحدث عنه فاذهب.. اذهب وقف أمام المساجد أمام مدارس تحفيظ القرآن أمام دور
العلم والإطلاع ستري عينيك ما لم تراه من قبل.. فيض من الفتيات المسلمات المؤمنات
الصالحات يتهافتون علي كل ما يقربهم من الله.. فتيات لم تري عينيك مثلهم تبارك
الخالق في جمالهم وحسن سريرتهم وصفاء ونقاء قلوبهم ونور وجوههم..
وبعد أن تعلم حقيقة ذلك.. تعالي وقل لي ما سبب
تأخر زواج هؤلاء الفتيات ؟ما سبب عدم رؤيتك أنت لهم ؟أين أنت يامن تقول أريد أن
أتزوج ولكن لا أجد ذات الدين التي اظفر بها ؟لا أريد آن أطيل عليكم أكثر من ذلك
ولكن أريد منكم مشاركتي في هذا ما سبب وجود تلك الظاهرة ؟أين يوجد الخطأ .. ؟؟كيف
يمكن لنا تداركه وفي ختامي لا أجد غير دعائي واعرض إليكم مشكلة للاحد جي الفتيات
التي تسمي نفسها عانس لتجاوز سنها سن الزواج طبقا الأعراف والتقاليد فليكم ماذا
قالت ** مشكلتي أنني أشعر بإحباط شديد.. أنا في منتصف الثلاثينات.. من أسرة طيبة..
خريجة جامعية أعمل ولله الحمد.. غير متزوجة طبعاً ولم تتم خطبتي من قبل.. معظم من
أتى يذهب بلا عودة وإن كرر المجئ مرة ثانية يهرب من الثالثة.. كل شيء نصيب ولم
يأتي النصيب بعد.
لم يشكل لي هذا الموضوع مأساة إلا في هذا
العام فقط.. شعرت أنني كبرت مرة واحدة وأنا أرى من حولي من الأسرة والأقارب
والأصدقاء لهم حياتهم وأنا أصبح على الهامش.. نسيت أن أقول لك أنني فاقدة للثقة في
نفسي.. أشعر بأنني غير جميلة.. لا أجذب الأنظار مطلقاً ولا أرى الإعجاب في أعين
الناس بينما ألحظ إعجابهم بصديقاتي أو زميلاتي في العمل.. غير أنيقة.. لم أحقق شيئاً..
لا زواج ولا نجاح في العمل.
بعد
عشر سنوات من العمل لم أحقق شيئا لأنني لم أضع هدفاً أصل إليه واليوم بعد كل هذا
العمر فوجئت إنني سكرتيرة في إدارحولي..تحقت بدورة تدريبية في مجال الموارد
البشرية وأنهيتها ولم تضف لي شيئاً حتى الآن) اكتشفت أنني شخصية كئيبة في عيون من
حولي .. دائما حزينة واشتكي من العمل والحياة.. ووجهي معبر للغاية.
. "أستاذتي الجامعية كانت تقول أنها
تنظر إلى وجهي لكي تقيس هل هي شرحت بشكل واضح أم لا" دائما انظر إلى النصف
الفارغ من الكوب.. إن أثنى أحد علي شيء عملته، استغرب ذلك. من قلة ثقتي بنفسي كنت
لا أرغب في الزواج قبل ذلك لأنني لا أريد أن أضيف إلى الدنيا أفراداً مثلي!!
ففاقد الشيء لا يعطيه .. من قلة ثقتي بنفسي وقلة
الإيمان بالطبع وقعت في معاصي لأن أحدهم قال أنه معجب بي وتماديت معه على أمل
الزواج وأرجو من الله أن يغفر لي ويسامحني.. هل أطلب المساعدة وأذهب إلى طبيب
نفسي؟ أم أن مضادات الاكتئاب قد تفيد .. أشكرك جزيل الشكر على النصيحة وجزآك الله خيراً.
صديقتي لماذا كل هذا البؤس والإحباط، الزواج مهم نعم لكنه ليس كل شئ، في الحياة
فالحياة لن تتوقف إن فاتنا قطار الزواج، والزواج لن يضيف جديد لمن لا فائدة لها في
الدنيا فهو لا يصنع الناس والبشر إنما فقط يضيف إليهم ويكمل حياتهم لكنه لا يبينهم
أو يبني ثقتهم بنفسهم، أنت الآن في منتصف الثلاثينات وهو سن يعني قمة النضج والثقة
بالنفس وتحقيق الذات، لكن رسالتك توحي بغير ذلك تماماً، ذلك لأنك لم تركزي علي ما
وهبك الله من نعم قدر ما ركزت علي ما حرمت منه لحكمة هو سبحانه الذي يعلمها،
وبدلاً من أن تنمي ما تملكين وتزيدي عليه رصيداً كبيراً. التفت إلي ما حرمت منه
لتكوني المرثية التي كتبتها والتي تمتلئ بالبؤس والشقاء، فسحبت من رصيدك الكثير،
صديقتي أنت مسلمة ومؤمنة جداً بالقضاء والقدر ومدركة تماماً أن الزواج قسمة ونصيب،
ورزق ولا حيلة لنا في الرزق، فلماذا كل هذا الحزن، أين الرضا والقناعة أين إحساسك
العالي بنفسك وثقتك الكبيرة التي يجب عليك أن تستمديها من كونك إنسان كرمها الله
من فوق سبع سموات " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر وفضلناهم علي
كثير ممن خلقنا تفضيلاً " ألا تكفيك هذه الآية لتعلمي كم أن الله سبحانه
وتعالي يحبنا ورءوف بنا ألا يكفيك ذلك أن تحمديه ليل نهار، لماذا تعيشي وتقضي
حياتك ما انتظار المجهول. لماذا تضيعي العمر في البؤس والشقاء، بخلاف الزواج أليست
لك أهدافجدد تكتسبينياة تودين تحقيقها، ماهو دور العمل في حياتك إلي أي مدي يمثل
قيمة ما هو دور الأعمال الخيرية في حياتك ؟ ما هي علاقتك بزميلاتك وصديقاتك ؟ هل
جربت مرة أن توسعي دائرة علاقاتك الاجتماعية وتتعرفي علي أناس جدد تكتسبين منهم
خبرة حياتية تفيدك، كيف تستثمرين وقتك، في هذا الزمن الذي يساوي فيه الوقت اغلي من
الذهب رغم ارتفاع أسعار الذهب، فالذهب لو فقد يمكن تعويضه لكن الوقت لو ضاع لا
يمكن تعويضه. فكل يوم يمر علينا ينقص من عمرنا يا صديقتي عيشي حياتك وكوني أنت
نفسك فلا تتكلي علي أحد أو تستندي إلي أحد، فمن غير الله تتوكلي عليه وتستعيني به،
عن إيمروح.بالله رباً يجعلنا نؤمن بالقضاء كله خيره وشره، بل ويجعلك أكثر حماساً
وأكثر إرادة في تحويل خسائرك إلي أرباح، أنت الآن بل زوج ولا أولاد لماذا لا
تستغلي كل دقيقة في وقتك الآن في إنجاز كل ما يوكل إليك من أعمال، هل تعرفين لماذا
لست ناجحة في عملك ؟ بل وتعتقدين أنك لست
ناجحة في حياتك علي وجه الإطلاق بالنسبة للعمل فالسبب بمنتهي البساطة هو فقدانك
للحماس تعملين كالآلة فلا يشعر بوجودك أحد تعملين بلا روح.
هل جربت أن تحبي عملك و تبدعين فيه وتمنحيه
جزءاً أكبر من الوقت، إذا لم تكوني جربت ذلك فجربي من الآن ووافيني بالنتائج. أما
عن حياتك هل تعرفين لماذا أنت علي هذه الحالة من اليأس والإحباط ببساطة أيضاً لك
أوقفت حياتك علي هدف واحد لأنك أضعت أثناء الانتظار أهداف كثيرة كان يجب أن تضعيها
في اعتبارك، مثل العمل وتدعيم العلاقات الإنسانية والاجتماعية، والهوايات والترفيه
كالقراءة والمسرح والسينما والأعمال الخيرية وما إلي ذلك، بالإضافة إلي أهم جزء وهو فقدانك الأمل وانقطاع
رجائك بالله سبحانه وتعالي، يقول الشيخ عائض القرني في كتابه الجميل " لا
تحزن " •مصيبتنا أننا نعجز عن حاضرنا, و نشتعل بماضينا, ونهمل يومنا, ونهتم
بغدنا, فأين العقل وأين الحكمة !؟ هل عرفت الآن لأن كل ما أنت فيه أفقدك المعني
لحياتك وجعلك تعيشين اليأس والإحباط، يا صديقتي إذا أردت السعادة حقاً فهي في نفسك
وفيمن حولك وفيما تملكين من نعم يقول شوبنهاور " إننا من النادر أن نفكر فيما
نملك لأننا نفكر غالباً فيما ينقصنا " و النفس السوية القانعة الراضية بقضاء
الله وقدره صاحبها من أسعد الناس فالنفس كالمرآة تعكس كل ما يقع عليها، فإذا وقع
عليها منك الرضا والقناعة والسعادة بعثت إليك برسائل من نفس النوع أما إذا ملأتها
بالتشاؤم والإحباط والإحساس بالعجز فماذا تظنين، وأخيراً تذكري أن هناك حكمة في
تأجيل زواجك لن تدركيها الآن " وعسي أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم "، أرجو أن تبعثي لي برسالة أخري في وقت قريب
تخبريني فيها عن أهم الخطوات التي اتخذتها بشان إعادة بناء إستراتيجية جديدة
لحياتك إستراتيجية ملؤها التفاؤل والثقة والإيمان بالله. هل هن حبائل الشيطان أم
نصفنا الجميل ؟!!في الوقت الذي تتم فيه معالجة قضايا المجتمع بعيداً عن العنصرية
والطائفية البغيضة.. تأتى معالجة قضايا المرأة على نحو يمثل فصلاً تعسفياً بين عنصري
الأسرة التي تشكل اللبنة الأولى للمجتمع كله. فالمتأمل بوعي للجدل الدائر الآن حول
حقوق المرأة يلحظ تهاوناً يتسم بالتفريط في تلك الحقوق من جانب البعض، يقابله
انحياز مفرط من جانب البعض الآخر، فثقافة (إما... وإما) لا تعترف بالوسطية
والاعتدال التي تعنى ـ بحسب المفهوم الخاطئ ـ الرضا والقبول بأنصاف الحلول فيجنح
المدافعون والمهاجمون على حد سواء عن فضيلة الاعتدال... معتبرونه نوع من أنواع الخنوع
والاستسلام ! وعليه فقد أضحى كل طرف متحصناً برؤيته، مدافعاً باستماتة عن وجهة نظره،
مدعياً العلم والمعرفة، ومتهماً الطرف الآخر بالجهل والحقد والغباء !! ومن عجب أن
كل فريق من الفريقين يطبق تكتيك لعبة كرة القدم (استخدام أسلوب الهجوم أفضل طريقة
للدفاع) فينكشف ظهر ملعبه ويحرز الطرف الآخر العديد من الأهداف في مرماه !
ومادمنا بصدد تشبيه مايحدث في تلك النقاشات بما
يحدث على أرض المستطيل الأخضر، فلا يفوتني أن أشبه المشجعات اللائي انضممن إلى
مدرجات تشجيع الرجال... والمشجعون الذين انضموا لتشجيع فريق النساء، بحالة الذي
أصابه يأس من انصلاح حال فريقه الأثير... فانقلب عليه وعمد لتشجيع الفريق الآخر،
وهو تعبير سلبي عن رفض بقاء الوضع على ماهو عليه.... ودعوة ضمنية للتغيير نحو
الأفضل على كل حال.... فعجلة التغيير تسير إلى الأمام، ولن يعرقل تقدمها محاولات
المتشبثون بأوضاعهم وما حققوه ظلماً وعدواناً من مكتسبات تلك هي الصورة التي
يلتقطها أي متابع لهذا الجدل الدائر حول حقوق المرأة التي هي الأم والأخت والزوجة والابنة
والحفيدة أيضاً وهنا تبرز أسئلة مهمة: هل الرجل يحب المرأة أم يبغضها ؟! إذا كان
يحبها فلماذا يحرمها من بعض حقوقها ؟ ولو كان يبغضها فلماذا يتزوجها ؟!... هل حبه
مشوب بالبغض، أم هو بغض مدسوس في الحب ؟! هل الزواج تكامل بينهما وشراكة وتعاون....
أم أنه استعلاء وهيمنة وغطرسة وإهمال ؟! هل الزواج وسيلة لتبادل السعادة وبناء الأسرة،
أم أنه وسيلة لتفريغ شحنات الغضب والتلذذ بإيذاء الغير ؟! هل الأسرة من الترابط والتعاضد والائتلاف، أم
أنها من الأسر والعنف والاختلاف ؟! إن كلا الزوجين له حقوق وعليه واجبات مادية
ومعنوية أيضاً... فالإنسان روح وجسد... أحاسيس ومشاعر، فلا ينبغى إغفال الجانب
المعنوى من تلك العلاقة: فعندما يصف بعضنا النساء بأنهن حبائل الشيطان ! ، وأنهن
باب الجحيم ! ، وأنهن مصدر الغواية والإغراء، وأنهن أعداء الرجال بحسب المأثور
الذكورى الفج (من كان له امرأة كان له عدو) ! يكون قد ارتكب إثماً فى حق المرأة
لاينبغى أن تتهاون (نون النسوة) فيه فإن كانت قلة من النساء جندهن الشيطان لخدمة
أغراضه الدنيئة، فلا ينبغى التعميم وإطلاق الأحكام... فهذا الشيطان اللعين لايفرق
فى مسعاه بين رجل وامرأة، فما أكثر الرجال الذين أضحوا حبائل له حيث يسعون للتغرير
بالنساء واستدراجهن وإغوائهن وإغرائهن ودفعهن للانحراف عن الطريق القويم وكما كانت
امرأة نوح عدوة له، كان فرعوناً عدواً لزوجته المؤمنة آسية بنت مزاحم إن الرجل
والمرأة شريكان فى الحياة وليسا أبداً خصمين... فإذا ساد بينهما الوئام والتكامل
والوفاق والاحترام المتبادل نجحت الشراكة وصلح المجتمع، أما إذا حدث غير ذلك ـ
لاقدر الله ولاكان ـ فقل على الدنيا السلام ! رأيتها حين كانت في بداية العشرينيات
من عمرها تتألق أنوثة ورقة وجمالا، ثم مرت السنون والتقيت بها في أحد المؤتمرات
تستعد لإلقاء بحثها العلمي، (وكانت قد تجاوزت الثلاثين بقليل) فوجدت شيئا مختلفا
يبتعد عن الأنوثة بقدر ما يقترب من "الاسترجال" ليس فقط على المستوى
النفسي والاجتماعي، بل أيضا على المستوى البيولوجي (نضارة الوجه ونعومة الجلد
ونبرة الصوت)، ورحت أتساءل: كيف؟ ومتى؟ ولماذا؟ وعرفت أنها لم تتزوج، ولم أعرف
لماذا، وانفض المؤتمر، وعدت إلى أرشيف عيادتي النفسية لأقرأ من جديد ملفات العنوسة.
وأستكمل القراءة في عيون العوانس من حولي
(وهن كثيرات في هذه الأيام) وفى الإحصاءات الرسمية على كثرتها وتضاربها أحيانا،
وإليك عزيزي القارئ المهتم ما وصلني من كل هذا:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التعريف
اللغوي والاصطلاحي لمفهوم العنوسة
·
* ما هو تعريفك لكلمة
العنوسة..؟
·
* ما هو سن العنوسة..؟
·
* كيف ترى وجهة نظر المجتمع للمرأة العانس..؟
العنوسة..
مشكلة جيل أم فهم لجيل جديد؟
"العنوسة".. لفظ مفزع ومؤلم، ويثير الكثير من القلق لدى البنات
والأهالي، وكل من يهتم بأمر هذا المجتمع، خاصة عندما دخلت المشكلة في دائرة الضوء،
وأصبح لدينا أرقام وإحصاءات تضع الحقيقة أمام أعيننا. إن الأرقام بالملايين،
وعندما تتحدث لغة الأرقام تتوارى أصوات أخرى مهمة؛ حيث إنه الرقم المفزغ يجعلنا لا
نرى ما يختبئ في خلفية وجوانب الصورة.. إن العنوسة في مفهوم المجتمع هي تأخر سن
الزواج لدى الفتيات، ولكن من الذي يحدد السن المناسبة التي بعدها تدخل البنت دائرة
العنوسة. في الماضي كانت جداتنا يتزوجن عن سن 12 و13 سنة، وكان هذا طبيعيًّا جدًا،
وكانت قمة العنوسة أن تصل البنت إلى سن الـ 20 دون زواج، ثم ظلت السن ترتفع حتى
وصلنا إلى الثلاثينيات وما فوقها...
والسؤال الأول والمهم هنا: هل المشكلة فقط في
السن؟.. بمعنى آخر هل فتياتنا اليوم مؤهلات لتحمل مسئولية في الاستقرار الأسري
والزواج الناجح. في الماضي كانت الفتاة تعي بفطرتها احترام الزوج وإقامة البيت..
أما اليوم فبناتنا لا يعلمن ماذا يعني الزواج.. إذن فالأرقام هامة، ولكن الدلالات
لها أهميتها أيضا. إن التعامل مع أزمة
العنوسة على أنها مشكلة كبيرة تهدد المجتمع واستقراره أمر مطلوب ومهم، لكن على أن
يتناسب مع حجم المشكلة.
السؤال الثاني هو: هل يمكن تناول هذه المشكلة
بمعزل عن بقية مشاكلنا الاجتماعية؟ إن ذلك يجعل الحلول دائمًا قاهرة، ويؤدي إلى
تصورات مبتورة. الواقع أن العنوسة إنما تحتل فقط قمة جبل الجليد الذي يظهر لنا
واضحًا فوق السطح، ولكن تحت الماء يختبئ الكثير والكثير في مشاكلنا الاجتماعية.
فكما تتعرض مجتمعاتنا العربية والإسلامية للكثير من المشاكل والأزمات الاقتصادية
والسياسية.. فإن أخطر ما تتعرض له هو الانهيار الاجتماعي الذي يضرب جذور وروابط
وثوابت هذه المجتمعات.
في البداية أود أن ألفت النظر إلى الخلط بين
العنوسة لدى الفتيات والعزوبية لدى الفتيان، ففي التعريف اللغوي: عنست البنت عنسا
وعنوسا: أي بقيت طويلا بعد بلوغها دون زواج، فهي عانس، والجمع عوانس (المعجم
الوجيز، مجمع اللغة العربية - القاهرة 2002)، أما الشاب الذي لم يتزوج فيطلق عليه
"أعزب" أو "عازب". وقد وجدت أن هذا الخلط بين العنوسة
والعزوبية يؤدي إلى خلط في الإحصاءات والأرقام المعلنة. ولا يوجد سن محدد نستطيع
أن نصف فيه الفتاة بأنها أصبحت عانسا، فهذا يختلف من مجتمع لآخر ومن ثقافة لأخرى،
ولكن هناك شبه اتفاق على أن بلوغ الفتاة إلى سن 35 سنة يعني دخولها المؤكد في
مرحلة العنوسة، والبعض يسميها مرحلة العنوسة الدائمة، وهذا لا يعني أن الفتاة لن
تتزوج مطلقا بعد هذا السن فالواقع لا يؤيد ذلك، ولكنه يعني أن احتمالات عدم زواجها
هي الأغلب. وكثير من الفتيات يرفضن لفظ عانس لما له من ظلال كئيبة ومعان ثقيلة
ولما يحمله من وصمة اجتماعية ونفسية للفتاة، وبعضهن يرين أن في هذه التسمية جورًا
على حرية الفتاة في أن تتزوج أو أن تعيش بلا قيود (على اعتبار أن الزواج في وعيهن
قيد). حجم الظاهرة هل العنوسة في مصر والعالم العربي أصبحت ظاهرة بالمعنى العلمي
لكلمة ظاهرة؟ تشير الإحصاءات المتاحة من بعض الدول العربية أنها فعلا ظاهرة من حيث
العدد ومن حيث الانعكاسات النفسية والاجتماعية على السواء، ففي مصر كشف إحصاء رسمي
عام 2003 عن أن عدد الشبان والشابات الذين لم يتزوجوا بعد على الرغم من بلوغهم
الخامسة والثلاثين عاما قد بلغ قرابة 9 ملايين نسمة (بالتحديد 8 ملايين و962 ألفًا
و213 نسمة، من بينهم 5 ملايين و233 ألفا و806 من الذكور، و3 ملايين و728 ألفًا
و407 من الإناث)، أي أن في مصر حوالي 5 ملايين أعزب و4 ملايين عانس. وفى الجزائر
ومن خلال إحصائيات المعهد الوطني للإحصاء تبين أن هناك 11 مليون عانس (لا ندرى
أيقصدون الذكور والإناث معا أم الإناث فقط) منهم 5 ملايين فوق سن 35 سنة،
ولهذا يطلق على الجزائر أحيانا "بلد
العوانس"، وقد دفع هذا الشيخ شمس الدين صاحب الجمعية الخيرية الإسلامية إلى
تأليف كتاب "تأنيث العوانس"، وإلى بذل جهد كبير عن طريق جمعيته الخيرية
لتزويج الشباب، ولكن للأسف الشديد تم تطويق نشاط هذه الجمعية وإلغائها بعد أحداث
11 سبتمبر بناءً على مخاوف أو شكوك أمنية كانت تجتاح العالم الإسلامي بشكل مفرط في
ذلك الوقت. ويربط الكثيرون بين هذا العدد الكبير من العوانس وما يقابلهن من العزاب
وبين حالة عدم الاستقرار الأمني والسياسي كأحد العوامل الداعمة لهذه الحالة من
الاضطراب، على اعتبار أن العزوبية والعنوسة كلاهما يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار
النفسي على الأقل في أغلب الحالات، وفى السعودية تشير الأرقام المتاحة إلى وجود ما
يزيد على المليون عانس، وفي البحرين 50 ألف عانس، وتشير التقديرات إلى أن ثلث عدد
الفتيات في الدول العربية بلغن سن الثلاثين دون زواج.
العنوسة
في موريتانيا
لا تزال ظاهرة تسمين الفتيات في موريتانيا
منتشرة بشكل واسع بينما تتجه نساء العالم
نحو الرشاقة بما تتطلبه من تنحيف وتنحيل للأجسام، تتجه الموريتانيات، في سباحة ضد
التيار، نحو السمنة لأنها هنا عنصر هام من عناصر الجمال بمفهوم أهل الصحراء. ورغم
ما تبثه القنوات الفضائية من برامج تحذر من مخاطر السمنة، ترى الموريتانيات في
المرأة الممتلئة مثالا للكمال الذاتي ويعيّرن المرأة النحيلة بأن أهلها عجزوا عن
إطعامها. ويسود اعتقاد مجمع عليه في الأوساط الموريتانية مفاده أن فحول موريتانيا
ينشدون أكثر للمرأة البضة السمينة التي تتحرك كالمنطاد الكبير. وعلي هذا الأساس
تضطر الموريتانيات لتسمين بناتهن خوفا من العنوسة. طرفا مقص ومع أن هذا هو الاتجاه
السائد فقد بدأت السمنة تثير جدلا كبيرا في موريتانيا بين اتجاهين أحدهما خافت
الصوت يدعو للتنحيف، والثاني ينظر إلى السمنة كأحد أهم مقاييس الجمال، وبوصفه أقصر
طريق للظفر بزوج في عالم متعنس. والملفت في هذا المجال هو الأسلوب التقليدي القاسي
الذي تمارسه الأسر الموريتانية لتسمين بناتها والذي يلزم الفتاة ،تحت الضرب
والإكراه، بتناول كميات كبيرة من الحليب والدهون تفوق طاقتها. ومع شيوعه يلقي
أسلوب التسمين القسري اليوم معارضة وانتقادا شديدين من قبل المثقفات الموريتانيات
اللاتي نظم بعضهن مظاهرات عديدة طالبت بالقضاء علي أسلوب التسمين الخشن. وقد أثبتت
نتائج إحصائيات رسمية نشرها مؤخرا المكتب الموريتاني للإحصاء أن 38 بالمائة من
البنات تم تسمينهن قسرا في مدة تراوحت بين 12 و24 شهرا. وأكدت الإحصائيات نفسها أن
45 بالمائة من النساء، خصوصا داخل الوسط الحضري، يعتقدن أن التسمين القسري يضر
بالصحة في حين اعترفت نسبة 35 بالمائة ممن شملهن التحقيق أن التسمين يعيق حركة
المرأة ونشاطها.
وفي
تعليق علي هذه الأرقام تقول الكاتبة الموريتانية أم كلثوم بنت احمد أن هذه
الإحصائيات لا تمثل الواقع ما دام المجتمع علي نطاق واسع يعتقد أن السمنة من أهم
مقاييس جمال المرأة، إضافة إلى كونها تمثل دليلا علي ثراء أسرتها. السمينة في
التراث وحول ظاهرة التسمين تقول الإعلامية "ينصرها بنت محمد محمود": أن
الصورة التي رسمها الشاعر العربي قديما لـ المرأة النموذج تشكل المرجع الأساسي في
تشكيل جسم المرأة. أما الناشطة في مجال مكافحة السمنة السيدة "منة منت سيدي
احمد" فتقول: أن ظاهرة السمنة ظلت مدعاة للفخر والاعتزاز داخل المجتمع
الموريتاني حيث كن البنات يدللن ويرتحلن من حي إلي حي في سبيل الحصول علي السمنة،
وكانت الأسرة تنفق وبسخاء في سبيل تسمين ابنتها أو بناتها. وتستدرك ان تلك النظرة
بدأت تتغير في هذا المجتمع الذي أصبح يخطو خطوات واسعة نحو التقدم والازدهار حيث
تغيرت نظرته للمرأة التي أصبحت تدير شؤونها بنفسها سواء كانت وراء مكتبها أو في
أروقة منزلها أو أمام تلاميذها وطلابها تنجز أعمالها في خفة ونشاط. وتضيف: يجب أن
نعرف أن السمنة التي كانت في فترة ما من فترات التاريخ رمزا للترف ومصدرا من مصادر
الجمال التي لا غني عنها هي الآن وفي الوقت الحاضر عائقا في وجه التنمية و التقدم
ومواكبة العصر فعلينا إدراك ذلك وإفهامه للمجتمع حتى يصبح المصابون بهذا الداء
قادرين علي التخلص والقيام بواجباتهم تجاه أنفسهم وتجاه وطنهم. والأدهى من ذلك
والأمر أن مخاطر السمنة تتجاوز صاحبها لتضر المجتمع بأسره فهي مظهر من مظاهر
البداوة وعدم التحضر وبقية من رواسب الجاهلية وعقدة يجب علي المجتمع حلها
ومحاربتها بشتى الوسائل ومختلف الطرق لما ينجر عنها من هـــدر للطاقات وامتصاص
للثروات. ويقول الدكتور" با محمد الأمين" انه قام بإعداد دراسة شاملة في
مختلف المدن الموريتانية حول هذه الظاهرة بالتعاون مع وزارة المرأة، وقد أظهرت
الدراسة أن نسبة 80 بالمائة من النساء يعانين من مرض السمنة وهذه بلا شك نسبة
خطيرة وهي أكبر دليل علي عدم الوعي والتخلف، فالمصاب بهذه الظاهرة السيئة لا
يستطيع أن يكون حيويا ونشطا. ويؤكد الدكتور محمد الأمين لجوء بعض النساء للعقاقير
الطبية، من أجل الحصول علي السمنة السريعة بعد ملاحظة عدم فعالية وسائل التسمين
التقليدية. ومهما قال المنحفون والأطباء فإن المرأة الموريتانية تفضل أن تكون بضة ورداحا
ومكتنزة، وهو ما اختصرته إحدى المدافعات عن السمنة بقولها إن حيينا نعيش سمينات
وإن متنا نموت سمينات.
العنوسة
في المغرب
العنوسة ظاهرة اجتماعية باتت تؤرق الشباب
ذكورا وإناثا الذين قد يتعرضون لها اختياريًّا أو إجباريًّا، بل باتت في بعض الدول
العربية كذاك الطاعون الذي لا يترك أخضر ولا يابسا، والمغرب من بين تلك الدول، ولا
نخفي حقيقة إذا قلنا إن ذلك نتيجة ما كسبت أيدي الناس بشكل عام. غير أنه عندما لوح
مؤخرا الشيخ عبد المجيد الزنداني العالم والمفكر اليمني بحل شرعي للعنوسة وتيسير
الزواج، وذلك من خلال خلق صلة زواجية جديدة تحت اسم "زواج فريند" (Zawaj friend) بدلاً
من نظام "جيرل فريند" (Girl friend) و (Boy friend)الموجود في الغرب، ويمكن للشاب والشابة من خلال هذه الصلة
الزواجية الجديدة أن يرتبطا بعقد زواج شرعي، دون أن يمتلكا بيتًا يأويان إليه؛ إذ
يُكتفى في البداية بأن يعود كل منهما إلى منزل أبويه بعد اللقاء. بين مؤيد ومعارض
وبالرغم من أن بعض الشباب ما زال متحيرا بشأن هذا النوع من الزواج وخائفا من
تبعاته فإن بعضهم وجدها فرصة ذهبية لمعانقة الحياة الزوجية بتلك الطريقة؛ فهذا
الشاب مراد العوني -ممثل المهندسين الخواص بالقنيطرة- يحكي عن تجربته مع هذا النوع
من الزواج؛ فيقول: "كانت تجربة ناجحة والحمد لله؛ لأنها قائمة على حسن النية
ودوام العلاقة، حتى بعد أن تتيسر الظروف فهو ليس مرتبطا بالظروف المادية فقط،
ولكنها كانت مانعا مؤقتا". ويضيف قائلا: "كما أني لا أدعو كل شاب يعاني
من ظروف مادية أن يتزوج بطريقة زواج فريند، ولكن هناك أسبابا لا بد أن تتوفر في كل
مقبل على هذه الخطوة، ومن أهمها روح المسئولية، وأنا أركز على هذه المسألة؛ لأنها
قد تكون سببا في إفشال العلاقة أو إنجاحها". وهذه النقطة هي ما كانت مثار
تخوف كثير من الشابات، منهن "رباب النقلي" من مصر التي تعتقد "أن
هذا النوع من الزواج ليس أكثر من ضحك على الفتيات؟" وأخرى -هي إبتسام صالح
عوقل من الكويت- ترى أنه "لا يؤدي إلى النتائج المرجوة من الزواج الشرعي،
وأقصد هنا الاستقرار وعمارة الأرض، وإنما يهدف إلى إسكات شهوة في الطرفين كلما أرادا
الاجتماع، وكأن الأمر زواج المتعة الذي حرمه الرسول صلى الله عليه وسلم...".
هل زواج فريند يساعد في حل
مشكلة العنوسة؟
العانس في اللغة هي المرأة التي طال مكثها
في بيت أهلها ولم تتزوج قط، وأيضا يصح أن يقال للرجل: إنه عانس، ولكن المفهوم
السائد يرى أن العانس هي امرأة. وفي المعنى الشعبي: العانس هو شخص ذو عيب خِلقي أو
خُلقي يجعله حبيس الجدران. وفي بعض اللهجات الدارجة كالمغربية وغيرها يقال للفتاة
العانس "بايْرة"، وهي مشتقة من الكلمة العربية "بارت الأرض"؛
أي فسدت ولم تعد صالحة للزراعة. وهناك محدد آخر لتعريف العنوسة يختلف حسب المحيط،
ويتعلق الأمر بالسن؛ فالفتاة في القرية المغربية إذا تجاوزت سن العشرين تعد في نظر
أهلها عانسا أو على عتبة العنوسة، وبالتالي وجب تصريفها بأي شكل، ولو على حساب
أمور تعد أساسية في الحياة الزوجية. وهذا ما أكدته لنا السيدة "مليكة"
التي تزوجت في هذه الفترة الحرجة بغير إرادتها: "لم أكن أفكر في الزواج،
وليست لي رغبة فيه، لكن حدث ذات يوم أن فاجأني والدي بعريس، وكان قد تعاقد مع
والديه، ولما استفسرت عن الأمر، أجابني: ليس عندنا بنات بايرين (أي عوانس)، وكانت
سني حينها 16 سنة، وتم تزويجي إياه، وأنجبت منه 4 أطفال، وعمري الآن 23 سنة".
أما مجتمعات المدينة المغربية فتحدد الثلاثين فما فوق سنا للعنوسة؛ نظراً إلى
خصوصية فتاة المدينة المتعلقة بالدراسة والوظيفة.. وأحيانا ترفض آنسات تجاوز سنهن
30 سنة الزواج عن رغبة ودون إكراه، ويحصل أن تجد زوجا بعد هذه السن، وخصوصا إذا
كانت مقبولة خلقا وخلقة وجاها كما هو حال "مريم" التي كانت رغبتها
الأولى هي استكمال التعليم بالخارج، ولم تكن تكترث لسنها التي تتقدم لتجعلها رقما
من الأرقام المخيفة للعنوسة: رغبتي استكمال دراستي بفرنسا، أما الزواج فهو نصيب،
والحمد لله تزوجت هناك بفرنسي، ولنا ابن في الطريق وأنا الآن أشتغل ونتعاون
معا".
وفيما
يلي نستعرض بعض النماذج من هذه الشخصيات القابلة للعنوسة: الفتاة المسترجلة: وهي قد تأخذ المظهر الذكوري في
بعض صفاتها أو طريقة لبسها وتعاملها، ولكن في أحيان أخرى قد تكون صارخة الأنوثة من
حيث الشكل والبنيان الجسدي، ولكنها في كل الحالات ترفض الدور الأنثوي وتكرهه،
ودائما تتحدث بحسد وغيظ عن تفرقة المجتمع بين الرجل والمرأة، وتبذل جهدا كبيرا في
الجدال والنقاش حول هذه الأمور، وربما تنضم إلى إحدى الجمعيات النسائية أو تصبح
زعيمة لحركة نسائية كل هدفها الهجوم على الرجال وعلى المجتمع الذي تعتبره ذكوريا
(أو هو ذكوري بالفعل)، وبناءً على هذا نجدها في صراع دائم مع أي رجل، ويبدأ ذلك
الصراع مع إخوانها الذكور وأقاربها وزملائها في الدراسة ثم العمل وأي رجل تقابله
في حياتها، وهي شديدة الحساسية لأي بادرة تفوق ذكوري، وشديدة الرفض لمظاهر الأنوثة
في جسدها أو في نفسها، وإذا حدث وتزوجت فإنها ترفض وتكره دور الأمومة، وتعيش في
صراع مرير مع زوجها حتى تصل إلى الطلاق أو إلى التحكم فيه لترضي ميولها
"الاسترجالية" الكامنة أو الظاهرة. الفتاة الهستيرية: وهي في الغالب
فتاة جميلة وجذابة واستعراضية ومغوية، توقع في حبها الكثيرين وتبدي في الظاهر
مشاعر حارة، ولكنها لا تستطيع أن تحب أحدا، بل هي دائما تحب حالة الحب ذاتها، وهي
سريعة الملل؛ لذلك تنتقل من علاقة إلى أخرى بحثا عن الإثارة والتجديد، وعلى الرغم
من إغوائها الظاهر فإنها تعاني برودا جنسيا، ولذلك لا ترغب في الزواج لأنها تكره
العلاقة الجنسية وتخشاها، وإذا حدث وتمت خطبتها فإنها تسارع إلى محاولة إفشال
الخطبة، وتتعدد خطوباتها وانفصالاتها بلا سبب منطقي واضح، باختصار شديد هي فتاة
للعرض فقط، ولذلك يكثر وجودها في الأنشطة الاستعراضية كأعمال السكرتارية والرقص
والتمثيل. الفتاة "الوسواسية": وهي تميل إلى الإفراط في النظام والتدقيق
في كل شيء، ومترددة في أخذ القرارات، ولا تحتمل أخطاء الطرف الآخر، وبخيلة في
مشاعرها لذلك يصعب عليها قبول أي شخص يتقدم لها حيث ترى في كل إنسان عيوبًا لا
تحتملها، وهي مفتقدة للمشاعر الطبيعية التي تدفع الناس للزواج غالبا، إضافة إلى أن
بعض "الوسواسيات" لديهن اشمئزاز من العلاقة الجنسية على اعتبار أنها
تمثل لديهن شيئا قذرا ومدنسا. الفتاة النرجسية: وهي الفتاة المتمركزة حول ذاتها
والعاشقة لنفسها، والتي ترى أنها متفردة، وتتوقع من الآخرين عمل كل شيء في سبيلها،
في حين لا تفعل هي أي شيء، وهي تستغل كل من حولها لصالحها دون أن تعطيهم شيئا،
إضافة إلى أنها غير قادرة على حب أحد فهي لا تحب إلا نفسها.
الفتاة البارانوية: ويغلب عليها الشك في
كل من حولها، فهي لا تثق بأحد أبدا سواء أكان رجلا أم امرأة، وتميل للسيطرة
والتحكم، وتخلو من رقة الأنوثة وعذوبتها (حتى لو كانت صارخة الجمال)، وتسعى نحو
الاستعلاء على من حولها، ولهذا يهرب منها الرجال، ولا تستطيع هي أن تثق فيهم أو
تحترمهم، فهي دائمة الانتقاص منهم والتشويه لصورتهم.
الفتاة
السيكوباتية: وهذه الفتاة لا تتزوج نظرا لسوء سمعتها وكثرة
انحرافاتها الأخلاقية والاجتماعية فهي لا تستطيع احترام قوانين المجتمع أو عاداته
وتقاليده، ولا تلتزم بالمبادئ الأخلاقية المتعارف عليها، وتعيش باحثة عن اللذة
الشخصية دون اعتبار لأي شيء آخر، فنجدها متورطة في علاقات جنسية متعددة، وتعاطي
مخدرات، وربما تتعرض لمشكلات قانونية بسب جموحها وانفلاتها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أسباب العنوسة
·
* ما هي مسببات العنوسة..؟
·
* هل مجال المرأة يؤثر في
عدد المتقدمين لها..؟
تكاليف
الزواج سبب للعنوسة وتعتبر مشكلة العنوسة
من المشاكل المزمنة التي تعاني منها كافة المجتمعات الخليجية نتيجة لارتفاع تكاليف
الزواج وعدم قدرة الشباب على إيجاد مسكن مستقل للزوجية، الأمر الذي أدى منذ
الثمانينيات إلى بروز ظاهرة الزواج من الأجنبيات؛ حيث يفضل الشباب خصوصا المبتعثين
للدراسة في الخارج الزواج من الأجنبية على اعتبار أن تكاليف الزواج منها منخفضة
مقارنة من الزواج من فتاة مواطنة أو خليجية، ولعل هذه الظاهرة هي التي دفعت
الحكومات الخليجية للتدخل للحد من زواج مواطنيها من أجنبيات، ففي الإمارات صدر
القرار رقم 5 لسنة 1986 والذي تم بموجبه تكليف مجلس الوزراء بإعداد مشروع قانون
اتحادي في شأن زواج الإماراتيين من الأجنبيات.
وحسب مدير صندوق الزواج جمال البح فإن ظاهرة
الزواج من أجنبيات بدأت في السبعينيات مع الطفرة النفطية، وكان 50 % من الأزواج من
الأجنبيات تزيد أعمارهن عن 40 سنة و 2.7 % تقل أعمارهن عن 20 سنة، وبلغت نسبة
الزوجات اللاتي تقل أعمارهن عن 30 سنة حوالي 87 % مشيرا إلى أنه في الثمانينيات
تأثرت ظاهرة الزواج من أجنبيات بالطلبة والموظفين المبتعثين في دراسات بالخارج،
والذين دخلوا كطرف مهم في الظاهرة، وفى التسعينيات حدث نوع من التغيير في الجنسيات
بدخول عناصر جديدة قفزت بجنسيات الزوجات الأجنبيات إلى 26 جنسية من بينها 17 جنسية
أجنبية وتسع جنسيات عربية وقال البح: إن الزوجة التي يتزوجها الزوج المواطن كبير
السن يكون هدفها من هذه الزيجة الوصول إلى حياة كريمة لها ولأسرتها في وطنها، وذلك
حافز لها لاتباع كل الطرق لتحقيق مآربها بما في ذلك الحصول على جنسية الدولة،
ودخول الأقارب للعمل في الدولة، وبسبب ذلك يعاني الزوج المواطن من متاعب مالية
مرهقة من وراء هذه الزيجة.إن نسبة العنوسة في المغرب في تزايد مستمر؛ بحيث لم
تتجاوز عقود الزواج في الرباط خلال عام 2001 حسب مصادر رسمية مطلعة "8569
عقدا، في حين بلغت حالات الطلاق 2721 حالة، وشكل الطلاق الخلعي النسبة الكبرى من
الحالات، بينما احتل الطلاق الرجعي المرتبة الثانية، فيما تبقى نسب حالات الطلاق
قبل البناء والطلاق المكمل للثلاث متدنية. كما أن عدد حالات الزواج والطلاق لا
يشهد تغييرا كبيرا بين سنة وأخرى كما يتضح من الجدول التالي: عام 2001 عام 2000
8569 عقدا 7950 عقدا عقود زواج
2721 2382 طلاق فنسبة ضعيفة في زيادة عقود الزواج كهذه
تحمل في طياتها عدة أسئلة عن أسباب العزوف عن الزواج، ومن ثم تزايد العنوسة سنة عن
سنة بشكل كبير.. من يتحمل مسئولية الوضع؟ هل هي سياسة الدولة التي لم تستجب لحاجات
شبابها، أم هي التقاليد والعادات، أم هي أسباب ذاتية تتعلق بالفتاة والشاب دون
إكراهات خارجية؟ الأسرة والمجتمع إن ما يعيشه المجتمع المغربي من استفحال لظاهرة
العري الفاحش والزنا وغيرها من الظواهر الاجتماعية السلبية دفعت الشباب المغربي
إلى العزوف عن الزواج بما يشكله من مسئولية إلى الزنا، وهذا ما أشار إليه الأستاذ
الباحث "المصطفى الناصري" -مراسل
جريدة "التجديد" المغربية-: "ومن الأدلة على استفحال الأمر،
وانفراط العقد، وتفاقم الحالة الأخلاقية.. ما أضحى ينتشر بين ذكور وإناث بلادنا من
علاقات بلا حدود، وخدنيَّة ترتب عليها فشو الزنا والفاحشة بشكل خطير". وفي
سياق آخر غير تفشي ظاهرة الانحراف الخلقي هناك مطرقة أخرى تؤجج من استفحال
العنوسة، وهي الوضع الاقتصادي المغربي الهش وانتشار البطالة.
يقول الشاب "ميلود .ف": "معي
دبلوم الدراسات العليا في العلوم الحيوانية، مرت علي سنوات البطالة كأنها سحابة لا
تنقشع، اضطررت رغم مؤهلي العلمي أن أشتغل بائع فاكهة جوالا، كان أملي أن أبني أسرة
وأتزوج وأنجب وأعلم أولادي؛ فتقدمت لفتاة عفيفة وميسورة كانت قد جمعتني بها زمالة
الدراسة، لكن الصدمة كانت قاسية حينما ردني أبوها معللا ذلك: "بيع الفاكهة
رغم شهادتك العليا لا يخول لك أن تفتح بيتا لابنتي، نحن آسفون ليس لدينا بنات للزواج
بالشهادات العلمية". غلاء المهور كما أن ظاهرة المغالاة في المهور وتكاليف
الزواج كانت ولا تزال من أهم الأسباب الحائلة دون لجوء الشباب إليه؛ فبعض الأسر
تتعامل مع زواج بناتهن وكأنه بيع وشراء، وبالتالي تكون نقطة المهر هي مربط الفرس
الذي إما أن يكتمل الزواج بسببه أو ينتهي، وغالب الأسر الميسورة في المغرب لا تفكر
في كفاءة الزوج الخلقية بقدر ما يهمها دخله ومركزه ووظيفته. وهذه الظاهرة يترتب
عليها ما يزيد في تعميق وتجذير ظاهرة العنوسة والطلاق؛ فهو من ناحية الفتاة قد
تُكره على الزواج ممن لا ترغبه زوجا لها، وبالتالي قد يترتب على ذلك الطلاق.
انتشار التعليم يعد انتشار التعليم في صفوف الفتيات بالمغرب وارتفاع نسبة اللائي
حصلن على مؤهلات عليا -إلى جانب أنه مؤشر إيجابي لمحاربة الأمية- فإنه من أهم
أسباب رفضهن الزواج المبكر، واعتبار الزواج مانعًا لتحقيق طموحاتهن في الحياة
العامة، وخصوصا في غياب تجارب ناجحة ممكنة للجمع بين الدراسة والزواج، ويتعللن بأن
كثيرا من الشباب أصبح يفضل الفتاة الموظفة التي تعينه على القيام بأعباء الحياة
إلى جانب أن إكمال الدراسة يجعل الفتاة واعية ومدركة لحقوقها وواجباتها. لكن مرور
الزمن لا يتوقف، وتتناسى كثير من الفتيات المتعلمات أن قطار الزواج قد يفوتهن رغم
الكفاءات والشهادات، وهذا ما صرحت به إحدى الطالبات "ليلى" من اللواتي
نجحن في التوفيق بين الدراسة والزواج: العمل أو الدراسة لا يقف عائقا أمام الزواج
المبكر للفتاة، وأنصح كل طالبة عندما تتهيأ لها فرصة الزواج وهي ما زالت طالبة ألا
تتردد، بل تتزوج وتكمل دراستها. حلول واقتراحات يرى الأستاذ الباحث المغربي
"مصطفى الناصري" أن مشكلة العنوسة "لا تكمن بالضرورة في غلاء
المعيشة والبطالة ومشكلة السكن، وإنما يتعلق الأمر بالدرجة الأولى بهذه الفوضى
الجنسية، وهذه الإباحية المقيتة التي اجتاحت بلادنا، حيث نال الكل بغيته من
الشهوات من غير حاجة إلى مهر وتكاليف حياة، أو حمل وإرضاع ورعاية
الأطفال...". وهناك جانب في غاية الأهمية -كما تشير إليه الدكتورة سلوى فقير،
اختصاصية في أمراض الغدد التناسلية والعقم والسكري- حيث يجب على وسائل الإعلام القيام بالتوعية الشاملة عن المشاكل التي تتسبب
في تراجع الشباب والفتيات عن الزواج مثل الزواج العرفي والعلاقات غير المشروعة.
7% من المصريين و31% من الجزائريات..
عوانس!
كشفت دراسة رسمية أعدها الجهاز المركزي
المصري للتعبئة العامة والإحصاء المسئول عن تعداد المصريين أن هناك نسبة متزايدة
لغير المتزوجين بين الشباب المصريين تصل إلى 37% منهم، فيما كشفت دراسة جزائرية
أخرى أن 31% من الجزائريات عوانس لم يتزوجن!. وقد جاء في الدراسة المصرية -التي
أجريت بناء على التعداد العام الأخير للسكان الذي تم قبل بضعة أشهر- أن عدد الشبان
والشابات العوانس وصل إلى 9 ملايين نسمة من تعداد السكان البالغ 64 مليون نسمة.
وأضافت الدراسة التي نشرتها صحيفة الأحرار المصرية الأحد (8-10-2000) أن من بين
غير المتزوجين نحو 3 ملايين و773 فتاة (في سن الزواج) غير متزوجة وقرابة 6 ملايين
شاب غير متزوج. والمعروف أن الظروف المعيشية المرتفعة التكاليف، فضلا عن انتشار
البطالة، وارتفاع أسعار السكن لأرقام فلكية تعرقل زواج الكثير من الشبان المصريين.
من ناحية أخرى كشفت الدراسة عن أن عدد المطلقين والمطلقات بلغ 364 ألفا و361 مصريا
ومصرية، في حين بلغ عدد الأرامل 371 ألفا و276 من النساء والرجال. كما أظهرت أن
عدد عقود الزواج التي تم إبرامها رسميا في مصر عام 1999 بلغ 520 ألفا بنسبة 8.2%
من السكان، وذلك مقابل 405 آلاف عقد زواج في عام 1990، أي بزيادة قرابة 115 ألف
عقد زواج، في حين بلغت عقود الطلاق التي تم استخراجها عام 1999 74 ألف شهادة بنسبة
1.2% مقابل 67 ألف شهادة عام 1990. وحول متوسط عمر كل من الرجل والمرأة في مصر..
أكدت الدراسة أن النساء المصريات أطول عمرا من الرجال؛ إذ يصل متوسط عمر المرأة 71
عاما، والرجل 67 عاما، وأن هذا المتوسط قد يستمر لعشرين سنة قادمة، مرتفعا أيضا
بالنسبة للمرأة مقابل الرجل. كذلك أشارت الدراسة إلى أن متوسط عدد أفراد الأسرة
المصرية يتراوح بين 4.8 فردا في محافظات مصر الشمالية و5.5 فردا في بعض المحافظات
الجنوبية ومحافظة البحيرة الشمالية، بينما يقل هذا المتوسط في العاصمة القاهرة
والمدن الساحلية مثل بور سعيد ليصل إلى 4 أفراد فقط. وحول المستوى التعليمي..
أشارت الدراسة إلى أن عدد الأميين من الذكور والإناث في مصر يبلغ حاليا 17 مليونا
و646 ألفا بنسبة 30% من السكان.
77.5 من نساء الجزائر يُضْربن!
من ناحية أخرى كشفت دراسة حديثة أن نسبة
العنوسة بين فتيات الجزائر تصل إلى 31.1% فيما تبلغ نسبة المطلقات 36.9%، بينما
كانت نسبة المتزوجات 29.4% وكلهن يتعرضن للضرب من قبل أزواجهن. وأوضحت الدراسة
التي أجريت بالاشتراك بين خبراء من منظمة التنمية التابعة للأمم المتحدة وباحثين
جزائريين أن 77.5% من السيدات محل الدراسة تعرضن للضرب، وتم نقلهن للمستشفيات، وأن
76.6% من بينهن ما زلن محتفظات بآثار هذا التعدي. وبينت أن المرأة الجزائرية
تُعامل معاملة سيئة من قبل الرجل سواء أكان الأب أو الزوج أو الأخ. وقد أرجع 64%
من السيدات محل الدراسة سبب عنف الرجال تجاه المرأة الجزائرية إلى أنهن عاطلات.
فيما أرجع 3.5% منهن ذلك إلى مفهوم "الرجولة" حيث يعتقد الرجل الجزائري
أن إهانة الزوجة تمثل الرجولة والغيرة على منزله، بينما أرجعت 10.2% السبب في ذلك
إلى المشاكل الاجتماعية، كالفقر والمرض. كما أوضحت نتائج الدراسة أن السيدات
المتعلمات اللاتي يتقلدن مناصب مسئولة في الدولة يسعين إلى التحرر من سيطرة الرجل
والحصول على استقلاليتهن، وعلى النقيض فإن غير المتعلمات واللاتي بلغ عددهن نحو
18% من السيدات محل الدراسة ارتضين هذه المعاملة، قائلين: إن الأب والأخ هما
المسئولان عن الفتاة من سن العشرين وحتى الزواج حيث تنتقل السيطرة إلى يد الزوج.
وترجع أهمية هذه الدراسة إلى أنها الأولى من نوعها التي تتحدث عنه أوضاع المرأة
الجزائرية بحرية كاملة. يشار إلى أن ظاهرة العنوسة المتفشية في الجزائر تعود
للأوضاع الاقتصادية القاسية التي يواجهها اقتصاد البلاد منذ بداية الاضطرابات عام
1991؛ وهو ما تسبب في زيادة البطالة وهجرة بعض الجزائريين لأوروبا للبحث عن عمل.
دراسة تدعو لمواجهة الزواج المبكر في
مصر
في الوقت الذي تتزايد فيه مطالبة النشطين في
مجال العمل الأهلي والاجتماعي في مصر بتدعيم اتجاهات الشباب نحو الزواج المبكر في
مصر حلا لمشكلة انحراف الشباب، وممارسة الجنس قبل الزواج ما زالت الجهات الحكومية
ومراكز الأبحاث شبه الرسمية تواصل برامجها التي تهدف إلى محاربة هذا النوع من
الزواج. وفي ذلك الإطار فقد دعت دراسة علمية أخيرة حول الزواج المبكر أعدتها
الدكتورة إقبال الأمير السمالوطي الحكومة المصرية إلى وضع استراتيجية لمواجهة
ظاهرة لزواج المبكر في المجتمع المصري، مشيرة إلى أن الزواج المبكر من الظواهر
الاجتماعية التي تنتشر في مصر خاصة في المناطق الشعبية والريفية.
واستندت الدراسة إلى إحصاءات رسمية تشير إلى أن
نسبة 18.2% من الفتيات في الفترة من 1980
وحتى 1984 تزوجن في سن مبكرة في حين بلغت
النسبة 40.3% في الفترة من 1960 وحتى 1964 وقالت إن نسبة الزواج المبكر في الحضر
تصل إلى 9.5% في حين تمثل في الريف 26.3% وتصل النسبة في الوجه القبلي إلى 28.9%
بينما تصل 16.9% في الوجه البحري. ودعت الباحثة إلى ضرورة أن تراعي استراتيجية
المواجهة طبيعة وخصوصية المجتمع المصري وزيادة الوعي لدى المواطنين بالآثار
السلبية للزواج المبكر، والاهتمام بالتوعية الدينية للفتيات المقبلات على الزواج
وتعريفهن بحقوقهن الشرعية والقانونية لاختيار الزوج المناسب، وتعقيد الإجراءات
الخاصة بالزواج المبكر، وتغليظ عقوبات التلاعب في عقود الزواج. ومضت الدراسة في
تعديد أضرار الزواج المبكر مشيرة إلى أنه قد يؤدي إلى ارتفاع حالات الطلاق نتيجة
لعدم التوافق الزواجي، وحرمان الفتيات من حقوقهن في اختيار أزواجهن، ووضع الفتاة
في موقف المسئولية الاجتماعية قبل بلوغ مرحلة النضج، كما يؤدي إلى متاعب صحية للأم
نتيجة الحمل والولادة المتكررة. وقالت الدراسة أن هذا الزواج يعتبر سمة من سمات
المجتمعات الريفية إذ أن 36% من إجمالي عدد الزوجات في الأسر الريفية تزوجن في سن
أقل من 16 سنة في حين تبلغ نسبة الإناث اللاتي تزوجن دون السن القانونية في الحضر
9.1%، وترجع الباحثة تزايد النسبة في الريف إلى رغبة الريفيين في الإكثار من
الأولاد وقصر الفاصل الزمني بين الآباء والأبناء والخوف على الشرف والعرض ودعم
الروابط الأسرية ورغبة الأباء في تزويج أولادهم مبكرا لإثبات الرجولة وتأكيد السيطرة.
وقالت الدراسة أيضا إن العوامل الدينية تعد من أهم العوامل في شيوع الزواج المبكر
في البلاد العربية والإسلامية، هذا بجانب أن بعض الأسر تزوج فتياتها الصغيرات
اللاتي لم يبلغن السن القانونية من أزواج أثرياء مصريين أو عرب لديهم القدرة على
تلبية الشروط التي تضعها أسرة الفتاة على الزوج وتخلص الباحثة إلى القول: إنه رغم
السلبيات فإن الزواج المبكر يؤدي إلى تدعيم الروابط والعلاقات الأسرية وسيادة روح
التكافل خاصة في المجتمعات الريفية، حيث يترتب على هذا الزواج نشأة حقوق وواجبات
بين ذوي القربى، وتعاون في المجالات المختلفة من خلال علاقة المصاهرة. وفي مقابل
وجهة النظر السابقة التي سجلتها الدراسة التي تأخذ بها المؤسسات الرسمية المصرية
فإن هناك باحثين ونشطين في مجال العمل الأهلي والاجتماعي يعددون عددا من الآثار
الضارة للزواج المتأخر في عصر شهد ثورة جنسية عن طريق الأطباق الفضائية والإنترنت
بما تحويه هذه الوسائل من ثقافة جنسية غير منضبطة وبصورة متاحة للجميع، وهي
العوامل التي أدت إلى انخفاض سن ممارسة الزواج في البلاد العربية وتورط العديد من
الشباب في البلاد العربية في ممارسة الجنس قبل الزواج، ويقول هؤلاء إن الحد من
الزواج المبكر لا يمكن أن تكون دعوة صحيحة في وقت تعاني فيه أعداد كبيرة من
الفتيات العربيات من العنوسة لأسباب اقتصادية أو اجتماعية
العنوسة في الخليج.. أرقام وإحصاءات
أولا- الشباب في قطر
يقول الأستاذ عبد العزيز المالكي المشرف على
مشروع البيت السعيد بقطر: "إن هناك مجموعة من العوامل وراء تزايد العنوسة،
منها ارتفاع المهور، ورغبة الفتاة وأهلها في استكمالها لتعليمها العالي". (
رسم بياني). تتساوى نسبة الذكور ونسبة
الإناث، خاصة هؤلاء الذين في سن الزواج ( رسم بياني ) آخذين في الاعتبار أن عدد سكان
قطر وفقا لآخر إحصاء رسمي لعام 1997 هو 522023، أكثر من نصفهم من الأجانب المقيمين
(رسم بياني)، وهو ما يعني أن الحكومة القطرية يجب عليها أن تعمل على تشجيع الزواج
لإحداث زيادة في عدد المواليد، كي يحدث توازن في عدد السكان.
ثانيا- شباب الإمارات
وفقا لدراسة نُشرت في الإمارات فإن عدد
العوانس قد وصل إلى 68%؛ أي أن في كل بيت إماراتي فتاة عانسًا، هذا بالإضافة
لارتفاع نسبة تأخر الذكور والإناث في الزواج، (رسم بياني) وبالرغم من ذلك يظل
المجتمع الخليجي مكبلا بقيود العادات والتقاليد التي تفرض شروطا باهظة لقبول العريس
المتقدم.
فقد كشفت دراسة أجراها صندوق الزواج في
الإمارات حول التوقعات المستقبلية للعزاب والعازبات حتى عام 2015 في الفئة العمرية
من 15-49 سنة زيادة عدد العزاب من الجنسين بشكل ملحوظ. ووفقا لأبحاث أجراها مكتب
صندوق الزواج بالإمارات فإن نسبة المواطنين في الإمارات لا تتعدى 25%؛ وهو ما يعني
أن عدد السكان قليل للغاية، وهذا يعكس أهمية زيادة عدد السكان بتشجيع الشباب على
الزواج وتقليل نسب الطلاق.
ثالثا- شباب السعودية
كشفت أرقام رسمية صادرة عن وزارة التخطيط
السعودية عن أن المجتمع السعودي بدأت تتفشَّى فيه ظاهرة العنوسة وتأخر سن الزواج،
إضافة إلى تزايد حالات الطلاق؛ فقد أكَّدت إحصائية صادرة من وزارة التخطيط
السعودية أن ظاهرة العنوسة امتدت لتشمل حوالي ثلث عدد الفتيات السعوديات اللاتي في
سن الزواج. (رسم بياني) وأرجعت التقارير الرسمية أسباب ذلك إلى ارتفاع تكاليف
الزواج والمهور التي تصل إلى ربع مليون ريال سعودي، فضلاً عن تراجع فرص العمل
وتزايد البطالة.
ثالثا- شباب الإمارات
مائة ألف عازب وعازبة إماراتيين حتى
عام 2015
كشفت دراسة أجراها صندوق الزواج في الإمارات
حول التوقعات المستقبلية للعزاب والعازبات حتى عام 2015 في الفئة العمرية من 15_49
سنة زيادة عدد العزاب من الجنسين بشكل ملحوظ؛ حيث من المتوقع أن يصل عدد العزاب
والعازبات إلى 198.8 ألفًا عام 2015. وتتوقع الدراسة أن يصل عدد العزاب عام 2010
إلى 97.560 ألف عازبا، وسوف يتزايد العدد تدريجيًّا حتى يصل العدد إلى 110 آلاف
عازب عام 2015 كما تتوقع الدراسة في المقابل أن يصل عدد العازبات من الفتيات
الإماراتيات من نفس الفئة العمرية إلى 76.630 ألف عازبة عام 2010 وترتفع إلى
88.780 ألف عازبة عام 2015. ويعانى مجتمع الإمارات من ظاهرة عزوف الشباب عن الزواج
رغم محاولات صندوق الزواج تقديم منح نقدية للشباب للتشجيع على الزواج، وكما قال
جمال البح مدير عام صندوق الزواج فإن الصندوق يعتزم تنفيذ مشروع جديد مع بداية
العام المقبل يعرف باسم "الميثاق الغليظ" لمواجهة تيار العزوف عن الزواج
والعنوسة. وأوضح أن فكرة المشروع التي ستنطلق في السادس من يناير المقبل جاءت
لتوفيق رأسين في الحلال ولمساعدة بعض فئات المجتمع التي لا تجد من يساعدها في
العثور على شريك الحياة، مشيرا إلى أن المشروع سيبدأ في البداية بالعاصمة أبو ظبي
ثم تنتقل الفكرة في حال نجاحها إلى بقية إمارات الدولة. وتقوم فكرة مشروع
"الميثاق الغليظ " على قيام الشاب الراغب في الزواج بتعبئة طلب إلى
صندوق الزواج يدون فيه مواصفاته في شريكة حياته، وبالمثل تفعل الفتاة في طلب تقدمه
إلى مكتب شئون المواطنات الملحق بمكتب حرم رئيس الدولة على أن يتولى المسئولون
توفيق الطرفين في خصوصية وسرية تامة. وتقول د.آمنة خليفة مديرة مركز الانتساب
الموجه: إنها أجرت بحثًا خلصت فيه إلى أن نسبة المواطنين في الإمارات لا تتعدى 25%
مما يعني أن عدد السكان قليل للغاية، وهذا يعكس أهمية زيادة عدد السكان بتشجيع
الشباب على الزواج، وتقليل نسب الطلاق، وأوضحت أنه عند البحث عن واقع ظاهرة تأخر
الزواج في مجتمع الإمارات وجد أن هذه الظاهرة تشكل 31 % من الذكور والإناث؛ حيث
تبلغ نسبة الذكور الذين لم يتزوجوا حتى عام 1995 حوالي 30 % في حين بلغت نسبة
الإناث اللاتي لم يتزوجن 32 % مما يعكس خطورة الظاهرة وعواقبها على استقرار الأسر.
وأضافت أن أعلى نسبة لغير المتزوجين في إمارة عجمان؛ حيث بلغت نسبتهم 36 % في حين
سجلت العاصمة أبو ظبي أدنى نسبة لغير المتزوجين؛ حيث شكلوا 29 %.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العوامل المؤدية للعنوسة
·
* فما
هي أبعاد القضية وما آثارها الاجتماعية وما الأثر الاقتصادي
والثقافي في تفاقم هذه المشكلة حتى وصلت إلى معدلات غير مسبوقة..؟
·
* وما رأي الدين وعلم النفس
وعلم الاجتماع ورأي الشباب والشابات في هذه القضية التي لامست ركائز
مجتمع يعد أكثر المجتمعات تماسكاً ومحافظة وحرصاً على تعاليم الدين والعادات
والتقاليد المستمدة من الإرث الثقافي الحضاري الإسلامي..؟
·
* وما
أسباب عزوف الرجال عن الزواج ..؟ وما النتائج السلبية المترتبة على
ذلك..؟ ما هي الحلول المناسبة للحد من هذه الظاهرة..؟
·
* عزوف الرجال لأسباب كثيرة منها عدم القدرة المالية والصحية..؟
ضعف
شبكة العلاقات الأسرية والاجتماعية: وهذا العامل يبدو فاعلا في المدن الكبيرة
حيث تسود حالة من العزلة والانكماش وتقل أو تضعف العلاقات الأسرية والاجتماعية،
وهذا يجعل مسألة التعارف صعبة، ويجعل الكثير من الفتيات يعشن في الظل ويصبحن
منسيات. انعدام الثقة: بمعنى أنه حين ابتعد الناس عن بعضهم وازدادت غربتهم خاصة في
المدن الكبيرة والمزدحمة، وشيوع العلاقات العاطفية والجنسية خارج إطار الزواج أدى
إلى انعدام الثقة لدى كثير من الشباب والفتيات في الحصول على شريك حياة مناسب،
خاصة لدى هؤلاء الذين تورطوا في مثل تلك العلاقات وأصبح لديهم قناعة بأنه لا توجد
فتاة عفيفة ولا يوجد فتى مستقيم. البطالة لدى الشباب: مما يضعف من صلاحية الكثيرين
للزواج من الناحية المادية والنفسية والاجتماعية، فالبطالة تجعل القدرة المادية
منعدمة وتؤدي أيضا إلى تدهور واضح في التركيبة النفسية والكفاءة الاجتماعية.
الحالة
الاقتصادية: وما يعتريها من تدهور يؤدي إلى عزوف الكثيرين من
الشباب عن الزواج خوفا من المسئوليات والمتطلبات التي تفوق قدراتهم الواقعية.
المغالاة في المهور
وطقوس وترتيبات الزواج بما يفوق قدرة غالبية الشباب.
إتاحة
العلاقات العاطفية والجنسية خارج إطار الزواج: وذلك مما يجعل نسبة
غير قليلة من الشباب يستسهل الحصول على الإشباع العاطفي وربما الجنسي دون مسئوليات
أو أعباء، وهذا هو العامل الأهم في المجتمعات الغربية، ولكنه بدأ يزحف على
مجتمعاتنا العربية نظرا للتغيرات الاجتماعية والثقافية التي سهلت وتساهلت مع
العلاقات بين الجنسين بدون ضوابط كافية. اهتزاز صفات الرجولة والأنوثة: فقد تميعت
صفات الرجولة لدى الذكور مما جعل كثيرا من الفتيات ينظرن حولهن فلا يجدن رجلا
بمعنى الكلمة يوفر لهن الحب والرعاية والاحتواء فيفضلن العيش وحدهن بعيدا عن
التورط مع زوج يعيش عالة عليها أو يطمع في مالها أو يقهرها، كما اكتسبت الكثير من
الفتيات بعض صفات الخشونة و"الاسترجال" مما جعل الشباب من الذكور ينظرون
إليهن بتوجس وحذر ويخشى أن تستقوي عليه أو تنازعه القيادة في الحياة الأسرية، فلم
تعد الأنوثة مرادفة للرقة والحنان في كل الفتيات خاصة من تجاوزن سن الزواج. عوامل
شخصية: حيث توجد بعض الشخصيات التي تفضل حياة العنوسة بوعي أو بغير وعي على الرغم
مما تتمتع به من الجمال والجاذبية، وعلى الرغم من توافر فرص الزواج أكثر من مرة،
فالفتاة في هذه الحالة ترفض لأسباب ظاهرية كل من يتقدمون لخطبتها وتدّعي أنه لم
يأت النصيب بعد أو لم يأت العريس المناسب، وفي الحقيقة هي لديها أسبابها النفسية
التي ربما تعلمها أو لا تعلمها، وهذه الأسباب تكون هي الدافع الرئيس لرفض الزواج
أو تأجيله، وهذه الشخصيات إذا تم زواجها بضغط من الأسرة أو من المجتمع فإنها سرعان
ما تسعى نحو الانفصال والعودة إلى حياة الوحدة مرة أخرى متعللة بأي مشكلات ظاهرية.
الآثار
النفسية للعنوسة
قليلا
ما تجد عانسا تتمتع بحياة طبيعية (مقارنة بغيرها من المتزوجات) على الرغم من نجاح
بعض العوانس في تعويض عنوستهن من خلال عمليات التسامي (الإعلاء) وذلك بالنجاح في
العمل أو النجاح في القيام بأعمال ذات قيمة اجتماعية عالية أو الإبداع الأدبي أو
الفني أو اللجوء إلى الزهد والحياة الروحية أو لجوء بعضهن إلى
"الاسترجال" والاستعلاء (ربما عقابا للرجال وللمجتمع ككل على إهمالهن).
فالعانس ربما تعاني الوحدة (على الرغم من
كثرة الناس حولها في بعض الأحيان)، وتعاني الغربة وتعاني الإحساس بالدونية (على
الرغم من محاولاتها إنكار ذلك أو إخفائه أو تكوين رد فعل عكسي له)، وتعاني الفراغ
النفسي (على الرغم من الانشغال الخارجي في بعض الأحيان)، وتعاني الحرمان العاطفي
أو الجنسي أو كليهما، وتعانى الحرمان من الأمومة (ربما تستعيض عنه بالاندماج مع
أطفال الأسرة ولكن ذلك غير مشبع لهذه الغريزة الهامة للمرأة السوية)، وتعاني
الحرمان من الدفء الأسري (ربما تستعيض عنه مؤقتا بدفء الأسرة الكبيرة ولكنه زائل
أو مهدد بالزوال لا محالة). وإذا لم تجد العانس وسائل كافية للتعويض، وإذا لم تجد
معنى لحياتها في أنشطة مفيدة ومشبعة فإنها ربما تكون عرضة للقلق أو الاكتئاب أو
لهما معا، أو تعاني من اضطرابات جسدية كثيرة سببها حالتها النفسية التي لا ترغب في
التعبير عنها بشكل مباشر، فكأن جسمها يصرخ بالشكوى بالنيابة عنها، وفي هذه الحالة
نجدها كثيرة التردد على الأطباء في كل التخصصات بلا جدوى، وإذا صرح لها أحد بأن ما
تعانيه من مشكلات جسدية سببه حالتها النفسية فإنها سرعان ما تنفي ذلك بشدة لأنها
تخشى أن تواجه نفسها بهذه الحقيقة حيث تزيد من ألمها ومن إحساسها بالضعف والدونية،
والعانس تحمل في داخلها خوفًا دفينًا من المستقبل وإحساسًا بعدم الأمان حيث إن
رصيدها الإنساني و"العلاقاتي" لا يطمئنها على نفسها، خاصة حين تكبر في
السن وتجد نفسها تعيش وحدها بعد وفاة الوالدين وانصراف الإخوة والأخوات إلى حياتهم
وانشغالاتهم. وبعض العوانس قد يخرجن من هذه الأزمة بطرق إيجابية -كما ذكرنا-
وبعضهن قد يخرجن منها بطرق سلبية كأن تميل للعنف وربما تتورط في بعض الجرائم نظرا
لتراكم الغضب بداخلها من نظرة المجتمع وظلمه لها، وبعضهن ربما يلجأن للغواية
العاطفية أو الجنسية كنوع من رد الاعتبار أو إثبات الذات أو الانتقام من الرجال،
وقد تنزلق بعضهن إلى احتراف البغاء في ظروف معينة خاصة حين ييئسن من الزواج
نهائيا، وبعضهن ربما يلجأن للسرقة المرضية كنوع من التعويض عن الحب المفقود،
والعانس قد تكون أكثر عرضة للغواية وأكثر قبولا للزواج العرفي أو للعلاقات غير
الشرعية، وهذا لا يعني أن كل عانس متهمة بالانحراف أو معرضة له بالضرورة، ولكن
الانحراف الخلقي أو الاجتماعي هو أحد المخارج المحتملة لنسبة من العوانس بدوافع
نفسية واجتماعية ضاغطة، ولا ينكر أحد نجاح كثير من العوانس في نشاطات علمية
واجتماعية وخيرية وغيرها. ولا تقتصر مشكلات العانس على النواحي النفسية بل قد يمتد
ذلك إلى النواحي البيولوجية فنجد تغيرا واضحا يظهر مع السنين في الشكل ونضارة
الجلد وحيوية الجسد.
الزواج
من أجنبيات مشكلة مزمنة وتعتبر مشكلة العنوسة
من المشاكل المزمنة نتيجة لارتفاع المهور وتكاليف الزواج بشكل عام، وعدم قدرة
الشباب على إيجاد مسكن مستقل للزوجة؛ الأمر الذي أدى منذ الثمانينيات إلى بروز
ظاهرة الزواج من الأجنبيات، بالرغم من عدم الاعتراف بالأولاد من هذه الزيجات، وعدم
موافقة الدولة على عقد هذه الزيجات إلا في حالات نادرة كارتفاع سن الزوج، أو إعاقة
الزوج، أو زواج الشاب من إحدى قريباته من دولة أخرى خارج دول مجلس التعاون، بخلاف
ذلك يكون الشاب مضطرا للزواج في حالة سفره للخارج فقط، على أن يتحمل واقع عدم
الاعتراف بالأبناء. ويفضل الشباب -خاصة المبعوثين للدراسة في الخارج- الزواج من
الأجنبية؛ على اعتبار أن تكاليف الزواج منها منخفضة مقارنة بالزواج من مواطنة أو
خليجية.
ماذا يريد الشباب
الشباب يلقون باللائمة على الفتيات اللاتي
يطالبن بما يفوق
قدرات المتقدمين
للزواج وإمكانياتهم المادية خصوصاً وأغلب الشباب هم من حديثي التخرج الباحثين عن
العمل أو الذين يعملون برواتب ضعيفة ويبحثون عن تحصين أنفسهم وإكمال دينهم بما
يرضي الله.
للشباب آراؤهم ومواصفاتهم الخاصة فهم
يعتقدون ان هذه
شراكة عمر فلابد ان
يكون اختياره موفقا ودقيقاً فلا يقتنع بعضهم برؤية "الخاطبة" ويريدون أن يروا
بأنفسهم حتى يكون حكمهم نهائياً وقبولهم حجة عليهم وعن قناعة تامة.
مثلما للشباب شروطهم فإن للفتيات شروطهن ومواصفاتهن الخاصة..
وفيما يتعلق بالسن على وجه الخصوص.. وعادة ترفض الفتيات الشاب الذي تعدى الثلاثين
من العمر..
فمثلاً: إحدى الشبان بلغة من العمر
الثلاثين، وقرر
الزواج، والمشكلة
التي واجهت هذا الشاب هي رفض الفتيات وبعد فترة طويلة من البحث والرفض وجدة الفتاة التي
قبلت به وكان الرفض دائماً يأتي من جهة الفتيات الصغيرات اللاتي يعتقدن بأنه كبير في
السن ولكنه كان يتقدم لفتيات اصغر منه بأربع أو خمس سنوات فقط..
شروط الفتيات
بعض الفتيات يضعن شروطاً تعجيزية للعريس
وأحياناً تشارك أسرة
الفتاة في وضع تلك
العقبات والمتاريس التي تمنع إتمام الزواج فيظل الشاب عازفاً عن الزواج وتظل الفتاة
عانساً..
مثلاً تكون هناك طلبات وشروط تعجيزية سواء من
الفتيات أو من أهلهن.. مثال.. هل هو جامعي ولديه منزل خاص به فإن لم يكن جامعياً فلست
موافقة على الارتباط به.. كما لاحظت ان غالبية الفتيات يركزن على الوضع المالي
للعريس.. ويكون الثراء من أهم شروط القبول فتكون الشروط من جهة الفتاة تارة ومن جهة
الأهل تارة أخرى، وأحياناً يكون ذلك هو رأي الجانبين معاً.
شروط موضوعية
هناك من المواصفات
والشروط
مايكون مناسباً
ولايحمل أي طابع مبالغة أو تعجيز فبعض الشباب يشترط أن تكون الفتاة محافظة على صلاتها
ومن أسرة متدينة وعلى قدر من الجمال.
مجرد زواج
حينما يطالب ابن العشرين
بفتاة تصغره سناً هذا يعني أنه يرغب في ذات الثماني عشرة أو ما دون ذلك..فماذا يكون
مصير ذات الأربع والعشرين والأكبر منها.. قطعاً سيكون منطقها.. لقد فاتني قطار
الزواج فأتمنى الا تفوتني فرصة
الإنجاب.. فيكون
قبولها بالزواج في هذه الحالة لمجرد أنها تزوجت وحسب، وتنتفي هنا عناصر الاختيار
والقناعة والتوافق والميول وما إلى ذلك.. حول هذه النقطة يقول سامي سلوم.. موظف حكومي
يبلغ الثامنة والثلاثين من العمر.. ان عدم التفاهم يؤدي إلى عدم الانسجام.. وان
الحياة الزوجية تبنى في الأساس على التفاهم.. أما إذا تم الزواج من غير ذلك فهو ناقص في
نظري.. وأضاف قائلاً: حينما أتقدم لخطبة الفتاة وفي حال سماح الأهل برؤيتها بوجود
محارم فهل تستطيع هي ان ترفض بأي حجة كانت أم انها ستوافق حتى لو لم يكن هناك ميول
هذا ما يقلقني.. ومن الصعب أن أتزوج من فتاة لا ترغب في أو أنها توافق على الزواج
مني لمجرد أنها تزوجت في نظر الآخرين وهذا سبب عزوفي عن الزواج.
أسباب وراء مشكلات الزواج
ما رأي علم النفس في
هذا الخلل الاجتماعي
المتمثل في عزوف
الشباب عن الزواج، وعنوسة الفتيات.. يرى الدكتور عبدالحميد الهاشمي استاذ علم النفس
بجامعة الملك عبدالعزيز في كتابه "علم النفس التكويني اسسه وتطبيقه.. من الولادة
إلى الشيخوخة.
الزواج أمر طبيعي ونتيجة عادية للرجل الطبيعي خلال عقده
الثاني أو الثالث من عمره الزمني، وهناك من يصل إلى الأربعينيات، وحتى إلى مابعد
الخمسينات وهم عازبون.. لقد قدمت بحوث عديدة في مجال مشكلات ا لأسرة والزواج بدراسة
احصائية أكدت انه في كثير من الدول توجد أزمة زواج نتاجها تفاقم ظاهرتي العنوسة
والعزوف عن الزواج وكانت عينة الدراسة مكونة من مائة رجل أعمارهم مابين 2550 عاماً
ينتمون إلى عشرين دولة من آسيا وأوروبا وأفريقيا وأمريكا الشمالية والجنوبية وكانوا
جميعاً بصحة جيدة ولهم وظائف أو مهن توفر لهم مايكفيهم للانفاق على أسرة.
فما هي
الأسباب إذاً
قال فريق منهم ان
أزمة السكن المستقل هي
العائق الوحيد دون
تحقيق الزواج.
وقال آخرون: وهم
يعملون في وظائف "محترمة": إن الزواج مسؤولية مالية لم نستعد لسداد نفقاتها
الباهظة.. "كون هذه الفئة بدأت الحياة العملية مؤخراً ولم يعد بمقدورها تحمل
متطلبات الحياة الزوجية".
وفيما يرى استاذ جامعي وطبيب ان
الطلاب والمرضى يشكلون أسرة بالنسبة لهما ولا حاجة لتكوين أسرة في ظل العمل
المتواصل الدؤوب.. يقول آخرون: إن الزواج مغامرة غير مأمونة العواقب لذلك هم
يترددون في اقتحام عالمها.
هناك فئة أخرى تقع
عليها أعباء
اجتماعية مثل من يعول
أماً وأباً أو إخوة صغاراً ويرون ان الزوجة المثالية التي ستشاركهم تلك الرعاية
غير موجودة.
ويعزي آخرون الأسباب
في تأخر الزواج إلى
الحياة المدنية
والمادية العصرية التي أدت إلى انحدار بعض الشباب من الجنسين في وحل مايسمى بالحب.. وبعد
فوات الأوان يستيقظ كل منهم على واقع يكون بعيداً عن عتبات الزواج المستقر..
وظلت فئة من الشباب تبحث عن الزوجة بمواصفات خاصة حتى وصلوا سن الخمسين دون تحقيق
الهدف.
انتظار السراب
كما لاحظنا قد يرفض
أحد الطرفين
الآخر لعدم توافر شرط
معين قد لايكون مبدئياً.. ثم تفوت الفرصة ولا يتم الزواج لا منه ولا من غيره..
لذلك يجب الا يكون التشدد والتطرف في المواصفات هو سيد الموقف.. بل المرونة،
والاعتدال والواقعية والوسطية.
فعلى الطرفين عدم
انتظار المثالية
التي قد لا تتوافر في
أي شخص على الاطلاق.
وقد تحمل الفتاة أو
الشاب الخاطب
صفات طيبة ومزايا
حميدة.. وتوجد لديه صفة بسيطة قد لايرغبها الطرف الآخر.. فإذا تنازل أحدهما عن ذلك
وتم الزواج ربما يستطيعان معالجتها بهدوء.. وفي حالة عدم التنازل ربما يفوت قطار
الزواج فتبقى الفتاة في منزل أبيها بقية حياتها وقد يبقى الزوج بلا زوجة
أيضاً.. وللأسف نجد بعض الأهل يتسببون في ذلك ويحرمون الطرفين من نعمة الزواج
والاستقرار ومضاعفة معدلات العنوسة والعزوف عن الزواج.
فعلى الشباب والشابات إبداء
المزيد من المرونة وعدم تفويت الفرص المواتية. وهنا تقول المرشدة الطلابية نهى فارس:
يجب على كل شاب أو شابة مقبلين على الزواج التنازل عن بعض المواصفات فليس كل
ماترسمه مخيلة الفرد هو بالضرورة موجود على الطبيعة أو في متناول اليد تحديداً..
فالمثالية التي تتوخاها في زوج أو زوجة المستقبل قد لانجد لها واقعاً على الأرض
اطلاقاً، وكم من فتاة قابعة اليوم في منزل أهلها تعض أصابع الندم وقد أضاعت الفرص بسبب
تمسكها بشروط محددة أو تمسك أهلها واصرارهم عليها.. وكم من فتاة تعاني حالة
نفسية سيئة بسبب رفض الأهل لخاطب قد تكون راغبة فيه.. ولكن شروط الأهل (بعض الأهل)
غير المنطقية حرمتها من الحياة الزوجية.
حيث لا ينفع الندم
حول البواعث التي
تقود إلى العزوف عن الزواج، وارتفاع راية العنوسة تحدثت ز.ع لم تتزوج بعد، عمرها
حوالي الثلاثين عاماً تقول.. كان كلما يتقدم لي شاب يرفضه والدي بأسباب أو من
دون أسباب.. وكنت وقتها صغيرة وكبرت على هذه الوتيرة حتى بلغت هذه السن ولما توقف
سيل الخاطبين وتعارف الناس على رفضنا ندم والدي في الفترة الأخيرة ندما شديداً
في وقت لاينفع فيه الندم ودفعت أنا الثمن غالياً.
كما تحدث
الشاب سليم قائلاً:
من العقبات التي أراها تتسبب في عزوف الشباب عن الزواج جشع بعض الخاطبات ومطالبتهن
بمبالغ كبيرة نظير البحث عن عروس فبعضهن يطالب بما يزيد على الأربعة آلاف أو خمسة
وكأنها عروس أخرى.. فإذا كانت الخاطبة تطالب بهذا المبلغ فكم تكون الشبكة.. مما
يوقع بعض الشباب في الاحراج فيكلف بعضهم والدته أو إحدى اخواته بهذه المهمة على
الرغم من انها من اختصاص الخاطبة.
ولعل من الأسباب أيضاً ما ذكره بعض الكتاب من تأثير وسائل الإعلام حيث تجد
ان بعض الفنانين أو النجوم لايتزوجون إلابعد سن الأربعين باعتبار الزواج سجناً
لهم.. وأعرف شخصاً تزوج وهو فوق سن الأربعين ويقول كنت أعيش حراً طليقاً والآن
صرت أسيراً ولكن هذا تفكير خاطئ ونوع من الجهل يجب ألا نتأثر به بل يجب الاقتداء
بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو يقول "يامعشر الشباب من
استطاع منكم الباءة فليتزوج".
وحث بالمسارعة إلى
الزواج
وأعرف أحد الأحبة
تزوج وهو في الصف الأول الثانوي وأكمل تعليمه وهو متزوج وهو الآن دكتور وأبناؤه دعاة
إلى الله ولم يبلغ الأربعين إلا وأبناؤه كبار شباب فرح بهم وهو في ريعان شبابه
ونفعوه.
وإذا طلب الابن
الزواج فعلى الوالد ألا يمانع حتى لو كان ابنه طالباً.. ويرى شيخنا عبدالعزيز بن
باز رحمه الله ان الأب يجب ان يزوج أبناءه من نفقته حفاظاً على دينهم وصلاحهم.
وسائل الخطبة
ويواصل الدكتور عمر سعود العيد حديثه
قائلاً: لو أخذ الناس بالهدي النبوي لما احتاجوا إلى خاطبة أبداً.. فقد جاءت
امرأة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وعرضت عليه نفسها.. وتوجد لدينا بالمملكة ولله
الحمد مكاتب لتنسيق أمور الزواج فهناك مكاتب متخصصة في كل من جدة والقصيم وعن
طريقها يمكن التقريب والتوفيق بين الطرفين وليس في ذلك حرج ولاعيب كما ان الجمعيات
الخيرية تؤدي دوراً مهماً في هذا الجانب وكذلك مأذونو الأنكحة والقضاة ومكاتب
الدعاة.
فعمر بن الخطاب عرض
ابنته حفصة على أبي بكر الصديق ورفض ثم عرضها على عثمان.. وليس في ذلك مخالفة
للأعراف أو التقاليد، فعمر رضي الله عنه من أعرف الناس بتقاليد العرب ومن أشرف
الأنساب.. وبعد ذلك خطبها الرسول صلى الله عليه وسلم.
وعلى الخاطبة ألا
تخدع أحد الطرفين بمعسول الكلام وان تتقي الله ولا تنظر كم يدخل جيبها.. فإن صدقت نيتها فقد
يثمر جهدها بيتاً مسلماً يؤسس على التقوى وذرية تنشأ على الصلاح والتعاون على البر
والتقوى.. أما بالنسبة للمخطوبة التي ترضى بالسكن مع أم زوجها فإنها تؤجر على ذلك ثم
ان حبها لزوجها سيجعلها تحب من يحبه زوجها ألا وهي أمه وثالثاً انها ستعين زوجها
على أعظم الأعمال وهي بر الوالدين.. وان رفضت ذلك فربما تعاقب بمثله عندما تصبح
أماً وربما تطرد..
وقد تكون أم زوجها امرأة خلوقة
وذات دين تدعو لها بدعوات صالحة يتقبلها الله. وفي الماضي كان الأب والأم يسكنان مع
أبنائهما وزوجاتهم بقلوب متآلفة ومحبة ويعيشون حياة سعيدة.
تكاليف الزواج
وعن ضيق ذات اليد..
وارتفاع تكاليف الزواج ودخول الشباب في مديونيات لا طاقة لهم بها يقول الدكتور
العيد: الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "خيرهن أيسرهن
مؤونة" وحتى في حالة اثقال كاهل الزوج بالديون فالأمر يعود على الزوجة بمردود سيئ..
وإذا أصبح الزوج عاجزاً عن سداد ديونه عدة سنوات فإنه سيبغض هذا الزواج وهذه
الزوجة، وعادة الزواج الذي يبدأ بمعصية وإسراف وخيلاء وكبر يفشل.
وأنا أعرف زواجاً كلف
150 ألف ريال فقط لقصر الأفراح وبعد اسبوعين رجعت العروس إلى منزل أهلها..
وعندما يخالف الناس هدي الرسول صلى الله عليه وسلم يقعون في المحاذير ومن أهمها
تزويج من لا يصلي وتزويج أهل المعاصي والفسق من باب الحرص على المال دون النظر إلى
الدين الذي أمر به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على كل من الزوج والزوجة.
زوجت بناتي بالإهداء
هذا نموذج فريد، يريد
الخير لابنته
ويخشى مخالفة الشرع،
ويتأسى بالسنة النبوية الشريفة ولا تغريه مفاتن الدنيا.. يقول ع.س: لا أرى عيباً في
البحث عن زوج صالح لبنتي.. والحمدلله قد زوجت اثنتين من بناتي عن طريق الإهداء..
فقد أسررت إلى أحد أصدقائي الذي أثق في صدقه وأمانته ان إذا رأى شاباً سوياً مستقيماً
يريد الزواج ان يتحرى منه ويخبرني به وبالفعل بعد ان تحرى صلاح ذلك الشاب
وأخبرني به.. ذهبت إليه وتعرفت عليه وعرضت عليه ابنتي وأخبرته بمواصفاتها فتم
الزواج وكذلك أختها بالطريقة نفسها والآن هما موفقتان في زواجهما وكان زواجاً بسيطاً
ليس فيه تكلفة إلا ما استطاعها الشابان بيسر والحمدلله وذلك عين الصواب وفي ذلك
الزواج وفي أمثاله بركة وتوفيق لا يدركهما إلا من قام بذلك عن إيمان ويقين.
بعيداً عن البذخ والخيلاء
وفي أحد نماذج
الزيجات التي تعمل على
إرساء عادات إسلامية
نابعة من صميم الدين الحنيف وبعيداً عن تقاليد العصر وعن التكاليف المكبلة
والمسببة الإحراج لأهل العروسين تحدثت هيام حمود، وهي حديثة عهد بالزواج: لقد تزوجت
زواجاً متواضعاً مبسطاً برضى الطرفين وقد طلبت ممن تقدم للزواج مني ان يكون غير
مكلف.. وكانت كل مراسم الفرح تتمثل في حضور العريس واستقبله أفراد أسرتي وكنت مستعدة في
المنزل وتم الزواج بهذه الصورة المختصرة المبسطة والحمد لله حالفنا التوفيق.. مع
العلم بأن والدي ثري بإمكانه عمل كل مظاهر البذخ والخيلاء ولكن أردنا التوفيق الذي
يكون من عند الله وليس بأوجه الصرف البذخي والتبذير الذي نهى عنه الله تعالى. وحسب
التجربة اعتقد ان الزواج كلما كان مبسطاً تحققت فيه السعادة بشكل أكبر لأن
السعادة شيء نفسي ووجداني لايمكن للمال أو المظاهر إيجادها مهما بلغ مبلغها.
وهذه أم رشيد تتحدث
عن جانب آخر في تيسير لأمور الزواج وكسر لأحد الحواجز التي كانت تعوق إكمال الزواج وتؤدي
إلى تأخيره أو ربما تفويت الفرصة على الفتاة حتى تصير عانساً.
إذ تقول في السابق
كان الأهل يرفضون رؤية الخاطب
للفتاة قبل الزواج
مهما كان الأمر ولكن حالياً تغيرت المفاهيم وتنامى الوعي لدى المجتمع فصار الكثير
من الناس يتفهمون ضرورة ذلك فقد تم تزويج حفيدتي وسبق زواجهما رؤيتهما من قبل
الخاطبين.. وأهمية هذه الرؤية أنها تبعث بالاطمئنان وترسخ القناعة لدى الطرفين حتى ان
كان هناك رأي أو تحفظ فليحدث قبل عقد القران وهما الآن في غاية السعادة في زواجهما
وما أود قوله ألا يمانع الأهل في الرؤية الشرعية بحضور المحارم.
أضاعوني.. أضاعوني
كثيراً مايجني الأهل
على ابنتهم من حيث يدرون أو لا
يدرون.. في هذا الشأن
تقول س.ر موظفة بأحد المراكز الصحية: لم أكن أبالي بأي خطبة تقدم إلي في الماضي..
وكان أهلي كلما تقدم إلي خاطب يرفضون بحجج واهية.. حتى بلغت الثانية والثلاثين من
العمر وتوقفت طلبات الزواج ولم يعد يتقدم إليَّ أحد إلا من كان متزوجاً ولديه
أطفال أو من كان أرملاً كبيراً في السن.. وحتى الخطاب من هم فوق الأربعين يرفضون من
هي في مثل سني فقبل أسابيع تقدم لي رجل في الأربعين ولديه أربعة أبناء وحينما علم
بسني رفض واشترط ان تكون المخطوبة في حدود الثانية والعشرين من العمر... فالسن صارت
عائقاً أمام الزواج.. وهذه العقبة كثيراً ما يصنعها الأهل في بدايات طلبات الزواج
على ابنتهم الشابة ومع مرور السنوات تكبر البنت ويقل الخطاب.
وتساءلت س.ر إذا لم
يرغب فيّ من هو فوق الأربعين ولديه أطفال فمن يقبل بالزواج مني وهل أتزوج من هو
في سن أبي؟ وما سر عزوف الرجال عن الزواج عمن في سني حتى الذين تجاوزوا الأربعين.
المفاخر الهدامة
الاخصائية الاجتماعية
عائشة القحطاني من
المستشفى الوطني ترى
ان التفاخر بفخامة مناسبات الزواج من أهم الأسباب التي أدت إلى عزوف الشباب عن
الزواج وتقول: في الوقت الذي تراجعت فيه المهور كثيراً عما كانت عليه في السابق نجد
الأغلبية من الناس تنظر لمناسبة الزواج بعين التفاخر والتباهي.. فصار حديث المجتمع عن
الزواج أين كان قصر الأفراح وبكم تم استئجاره ومَنْ مِنْ الفنانات أحيت
العرس.. لكنهم لايسألون كم من الديون تراكمت على هذا العريس ومتى يقوم بسدادها وهل
إمكاناته المحدودة تسمح بذلك.
نعم قلت المهور
نسبياً ولكن
ارتفعت تكاليف الحفل
وارتفعت الديون.. فالكثير من الشباب صار يتردد في الزواج عندما يرى المجتمع يهتم
بهذه البنود البذخية الاستفزازية فكلما سألت شاباً لِمَ تأخرت عن الزواج يقول: تكاليف
الزواج والجوال والانترنت والمهر والحفل.. و.. والخاطبة هذا إذا لم يكن الخاطب
متزوجاً ولا يريد ان تعلم زوجته بذلك فهنا ترتفع تكاليف الخاطبة.
فارق السن
وترى الاخصائية
الاجتماعية عائشة القحطاني ان الفارق البسيط في السن بين الزوجين مهم ان لم يكن ضرورياً
ويفضل ان يكون الزوج أكبر من الزوجة بخمس أو سبع سنوات من ان يكون في مثل سنها خاصة
الذين يتزوجون وهم في سن المراهقة فيكون تفكير الزوجين بمستوى واحد أي يكون تفكيراً
شبابياً ليس فيه شيء من النضج والحكمة والتعقل.. وأما الفارق الكبير في السن فهو
ليس جيداً أما حينما يكون الزوج عاقلاً وحكيماً وصاحب تجربة في الحياة ويكبر زوجته
في حدود خمس أو سبع سنوات فهو خير لها من زوج في سنها خاصة إذا كانت هي في بداية
العشرينات أو أقل من ذلك.
وفي ختام
كلمتها شددت
الاخصائية الاجتماعية على ضرورة ان يضع كل شاب وكل فتاة نصب عينيه كيف يبني حياة زوجية
مستقرة قوامها الأمان والثقة وتثبيت أركان الأسرة.. ولا يقوم ذلك إلا بالتفاهم والنظرة
الواقعية للحياة وألا يكلف أحدهما شريكه فوق طاقته.. فالله لايكلف البشر إلا
مابوسعهم فكيف بنا نحن بني البشر، وعدم اتباع المظاهر الخادعة والمفاخر والتباهي
الذي يهدم الأسر ويقوض بناء المجتمع وان تحترم الزوجة أم زوجها باعتبارها أماً لها
وذلك دليل على تقدير الزوجة لزوجها ومحبتها الصادقة له وألا يكلف الآباء من
يتقدمون لخطبة بناتهم فوق ما يطيقون بل يساهموا في تيسير أمور الزواج فإن في ذلك
تسهيل لبناتهم وستراً لهن أو تحقيقاً لسعادتهن.
وألا يبالغ الشباب في المواصفات
التي يستقيها البعض من وسائل الإعلام أو من عروض الجمال والمناظر المزيفة
التي تعكسها بعض القنوات الفضائية فالأهم الجمال المناسب وقبل ذلك
الضفر بذات الدين.
شباب الخليج.. عازفون عن الزواج
في الحديث الصحيح أن النبي -صلى الله عليه
وسلم- يقول: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج"، وهو يحض
الشباب على التعجيل بالزواج من أجل صيانة المجتمع وعفته. لكن الشاهد أن الشباب في
المجتمع الخليجي بشكل عام والقطري على وجه الخصوص عازف عن الزواج؛ مما يطرح العديد
من التساؤلات في ظل أطروحات تؤكد أن عزوف الشباب ناجم بشكل أساسي عن ارتفاع تكاليف
الزواج في مجتمعات شبه الجزيرة العربية؛ وهو ما أدى إلى انتشار ظواهر سلبية عديدة
تهدد أمن المجتمع. وللأسف فإن الصورة المطبوعة في ذهن العالم عن الرجل الخليجي هي
صورة الرجل الثري، أو رجل النفط الذي لا يعاني إلا من الرفاهية، وهو لا يدري كيف
ينفق أمواله، سواء في السفر أو التسكع في العواصم الأوروبية؛ ليسرف بدون حساب، أو
رجل النفط الذي يلهث عابثا وراء النساء… وهذه صورة مخالفة تماما للحقيقة ومشوهة
لمجتمع كامل، وأعتقد أنه من الصعوبة أن يصدق أحد أن أهل الخليج يعانون من مشاكل
مادية تقف حائلا دون قدرتهم على الزواج؛ فبالرغم من ارتفاع دخل الفرد في الخليج
فإن ذلك يوازيه ارتفاع في تكاليف الحياة بشكل يفوق التصور، خاصة إذا تعلق الأمر
بقضية زواج الشباب.
رأي
علم الاجتماع
ومن جانبها تعزو السيدة شيخة المهدي -أستاذة
الاقتصاد المنزلي بكلية التربية بجامعة قطر- أن من أهم أسباب ارتفاع تكاليف الزواج
في قطر وبقية دول الخليج هو عدم وعي الشباب بأهمية بناء بيت مسلم. وتقول: "لم
يعد بناء بيت وتكوين عائلة مسلمة قضية موضوعة في أولويات فكر الشباب المسلم؛ حيث
يظل الشاب لمدة 14 أو 18 عاما يدرس؛ ليكون مدرسًا أو مهندسًا أو طبيبًا، لكن
العملية التعليمية في البلدان العربية تهمل تأهيل الشباب أو الصبايا لكي يصبحوا
أزواجا، بل إن هناك دعما لفكرة تأخير سن الزواج بحجة استكمال الدراسة وتكوين
الذات، مع تدعيم فكرة أن الفتاة ذات العشرين عاما ما زالت صغيرة.. وتظل الفتاة
صغيرة حتى تصل الثلاثين دون زواج، حتى يقرَّ ولي الأمر أن مطالبته بتكاليف باهظة
قد حجزت لابنته مكاناً في صف العوانس! وفي النهاية تؤكد الدكتورة "شيخة"
أن غياب الوازع الديني، وتفكك شبكة العلاقات الاجتماعية، والعزلة، واتساع الطموحات
التي وسَّعت الهوة بين التصورات والواقع بفضل الصورة الباهرة للزوجة أو الزوج التي
لا تعدو مجرد أخيلة ساهمت في تشكيلها مؤثرات تقنية الصورة في مجالات الفن
والسينما.. تعد أسبابا أخرى أدت لعزوف الشباب عن الزواج.
العزوبية
أشد خطرا من التدخين!
كشفت دراسة جديدة أن العزوبية أشد خطرًا من
التدخين، وأن العازبين أكثر تعرضا للأمراض والوفاة من المدخنين، وأن للزواج فوائد
عديدة غير متوقعة. ذكرت وكالة قدس برس الإثنين 19-8-2002 أن الباحثين في جامعة
"وورويك" البريطانية وجدوا أن الرجال والنساء المتزوجين يتمتعون بصحة
أفضل من نظرائهم العازبين. ويعتقد الباحثون أن السبب في ذلك يرجع جزئيا إلى الدعم
الاجتماعي والعاطفي لوجود زوج أو زوجة، أو لأن العازبين من الجنسين يعيشون حياة
غير صحية، ولا أحد يهتم بهم أو بصحتهم. كما أرجعوا ذلك إلى أن الزواج يزيد من
استقرار الحياة، ويخفف التوتر والمشكلات المصاحبة له، كما أنه يشجع على اتباع
أنماط الحياة الصحية المفيدة، وتجنب السلوكيات الضارة كشرب الكحوليات واستخدام
المخدرات، وأن وجود شريك الحياة يؤمن
الراحة والاطمئنان والعناية الصحية للشخص، وخاصة في أوقات المرض.
وللعلماء كلمة
الدكتور عمر سعود فهد العيد
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية قسم العقيدة والمناهج المعاصرة تناول تعريف
العنوسة وقال: هي تجاوز الفتاة زهرة الشباب وحدد سن العنوسة بـ 3035 سنة والأمر
متروك للعرف ويرى د.العيد ان غلاء المهور من أبرز الأسباب التي تؤدي إلى تأخير زواج
الشباب إضافة إلى مايترتب على ذلك من ديون يظل الشاب يعانيها فترة طويلة وذكر ان
شاباً تزوج ورزق بستة أبناء ولم يستطع سداد مهره بسبب غلاء المهور.. ولهذا يؤمر
أولياء أمور النساء بخفض المهر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا
أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه".
وقد زوج "صلى
الله عليه
وسلم" شاباً بأن
يُعلِّمَ زوجته سوراً من القرآن الكريم. وقال للشاب التمس ولو خاتماً من حديد.
ومن الأسباب التي أدت
إلى تأخير الزواج احتجاج البعض بإكمال الدراسة مع العلم بأنه يمكن اتمام الزواج
وإكمال الدراسة معاً خصوصاً ان لدينا شواهد عظيمة للعلماء والمفكرين وأساتذة
الجامعات الذين واصلوا تعليمهم بعد الزواج ويوجد اليوم عدد من الطلاب المتزوجين
والمتفوقين في ذات الوقت وقد أتاحت بعض الكليات قبول الطلاب المتزوجين الذي أثبتوا
تفوقهم العلمي والأخلاقي وفي المعاملة كما أنشأت هذه الكليات صندوقاً لمساعدة
راغبي الزواج وهذا يؤكد ان التعليم لم يكن في يوم من الأيام حائلاً دون الزواج بل هذه
حجة واهية وعلى الشباب وأهل الفتيات تجاوزها.
ومن الأسباب والحجج الضعيفة أيضاً ما يطلق عليه البعض تأمين المستقبل.. فكثير من
الشباب بصرف النظر عن الزواج لعدم وجود السكن والوظيفة.. ما لم يكن والده مقتدراً
وذا مال فلا مانع في هذه الحالة.
وقد قال الله عز وجل
} وّأّنكحواٌ
الأّيّامّى" مٌنكٍمً وّالصَّالٌحٌينّ مٌنً عٌبّادٌكٍمً وّإمّائٌكٍمً إن يّكٍونٍوا فٍقّرّاءّ
يٍغًنٌهٌمٍ اللَّهٍ مٌن فّضًلٌهٌ وّاللَّهٍ وّاسٌعِ عّلٌيمِ {
وقال الرسول صلى الله
عليه وسلم "ثلاثة حق على الله عونهم ثم ذكر منهم الناكح يريد العفاف".
ويضيف د.العيد.. ومن
الأسباب أيضاً وجود بعض العادات والتقاليد التي تلزم الابن ألا يتزوج إلا من ابنة عمه
وقد لايوجد التناسب الفكري والعقلي.. وقد لا تكون على جمال.. وبسبب ذلك يؤخر
الزواج.
مفهوم الأسرة والبيت وقدسية الحياة
الزوجية.. دور الزوج والأب كراعٍ للأسرة، وليس فقط مصدرًا للإنفاق المادي ، بل له
دور في تربية الأبناء، ونجاح الأسرة في أداء دورها.. دور الزوجة في الوقوف بجانب
زوجها، وتحمل تبعات الزواج وصعوبات البداية، وتحمل العواصف بصبر حتى ترسو السفينة
على شاطئ الأمان.. دور الأسرة في تربية أبنائها على تحمل المسئولية.. المعنى
الحقيقي للزواج.. دور وسائل الإعلام في إبراز الجانب المادي، وإعلاء قيمته فوق المعنى
الإنساني والعاطفي للزواج.. هل سألنا الفتى والفتاة قبل الزواج: لماذا تريد أن
تتزوج؟ وماذا تتمنى أن تقدم لك شريكة حياتك؟ قد نجد الشاب يريد زوجة مثل فتيات
الإعلانات وأغاني الفيديو كليب، والفتاة تريد زوجًا يحقق لها حياة ناعمة مرفهة
وبيتًا على غرار القصور والفيلات التي نراها على الشاشة الفضية في المسلسلات، كما
لو كانت بلادنا لم يعد بها بيوت عادية لا تملؤها التحف والكماليات، ويظل الشاب
يبحث عن الصورة التي في خياله، والفتاة تنتظر المليونير، وتمر السنوات.. وهكذا
نصنع نحن مشاكلنا! السؤال الثالث: هل تأخر سن الزواج أسبابه اقتصادية فقط؟ إن
المشكلة برغم اختلاف أسبابها وظواهرها فإنها موجودة في جميع البلاد العربية
باختلاف ظروفها ومجتمعاتها.. ولكنها تعبر عن نفسها بصورة مختلفة؛ فالأرقام كما
تفزعنا في مصر (9 ملايين عانس وعزب) تقابلها الجزائر بثلث تعدادها عوانس وعزاب، والإمارات
68%، 26%: السعودية، وقطر، والأردن، ولبنان، والكويت، وفلسطين. إذن فالمشكلة تخطت
الحدود.. وهذا أكبر إثبات على أن المشكلة ليست اقتصادية فقط؛ فإن دول الخليج تئن
وتصرخ مثل مصر والأردن والجزائر برغم الفارق في المستوى الاقتصادي ودخل الفرد هنا
وهناك. حتى ادعاء أن المغالاة في المهور في دول الخليج هي السبب لا تفسر وحدها
انتشار الظاهرة هناك.. فهل كل عائلات الفتيات ذات مستوى مادي مرتفع، وتطالب الشاب
بمطالب مرتفعة وكل أسر الشباب فقيرة، ولا تستطيع تحمل تكاليف الزواج؟! إذن فمن هم
هؤلاء الشباب العرب الذين يسافرون للسياحة في أوروبا، وينفقون آلاف الدراهم
والريالات هناك، ثم يعزفون عن الزواج لارتفاع تكاليفه؟!!
إن المشكلة الكبرى أن ينظر لتأخر سن الزواج
من منظور واحد، أو أن يفسر على أساس سبب واحد، وإنما تعدد الأسباب وترابطها وتشابكها
هو ما يزيد المشكلة تعقيدًا.
الأسباب التي توصلت لها بعد تحليل كل
المشكلات الواردة لصفحة "مشاكل وحلول الشباب" يمكن إجمالها في:
1.
أسباب اجتماعية 2.
أسباب نفسية 3. أسباب اقتصادية 4. أسباب سياسية 5. أسباب تربوية 6. أسباب ثقافية
وفكرية أولا أسباب الاجتماعية: تتمثل في: غياب المفهوم الصحيح للزواج كسكن ومودة
ورحمة.. قبل أن يكون شكليات ومظاهر. غياب دور الأسرة في توعية أبنائها، وتربيتهم
على تحمل المسئولية، وتفهم معنى الزواج، وإعداد أبنائها وبناتها للقيام بهذا
الدور. ياب دور المؤسسات الاجتماعية والهيئات غير الحكومية في محاولة إيجاد حلول
عملية واقعية تتناسب مع كل بيئة ومجتمع في مجتمعاتنا. الاستسلام والانسياق وراء ما
يبثه الإعلام من مفاهيم مغلوطة عن الأسرة والزواج ومتطلباته. ثانيا أسباب
الاقتصادية: وهي نوعان: واقعي وحقيقي: يتمثل في الارتفاع الفعلي في تكاليف الزواج
خاصة مع ازدياد معدلات البطالة، وعدم وجود فرص عمل حقيقية أمام الشباب، وانخفاض
مستوى الدخل خاصة في الدول غير النفطية. نوع صنعناه نحن بأنفسنا، ثم فرضناه كأمر
واقع.. وهو المغالاة في الجهود واستعدادات الزواج؛ حيث غابت فكرة الأسرة التي تبدأ
بحياة بسيطة، ثم تنمو تدريجيًا، وتستكمل كل ما ينقص من أساسيات وكماليات مع النمو
الطبيعي لدخل الأسرة، ومع مفهوم جميل غاب عنا وهو الصبر واليقين بالله تعالى، وحل
محلها مفهوم جديد، وهو البيت الذي يبدأ مستكملاً كل أساسيات وكماليات الحياة
العصرية، والغريب أن هذا النوع في المشاكل الاقتصادية يكاد يكون ممثلا بدرجة
متساوية في الدول الغنية والدول الفقيرة، وكأننا لم نسمع عن مثل شعبي حكيم يقول:
"على قدر لحافك مد رجليك". ثالثا أسباب سياسية: يث إن القيادات السياسية
في بلادنا لم تأخذ الأمر بجدية، ولم تشعر بحجم المشكلة أو تأثيرها السلبي على
المجتمع، وربما توارت المشكلة خلف ركام من المشاكل السياسية الأخرى، وهذا أدى إلى
غياب دور أساسي كانت الجولة منوطة به، ويشمل توفير فرص عمل حقيقية للشباب، وتيسير
المشروعات الصغيرة، وتشجيع الشباب المقبل على الزواج المبكر بشقة بأسعار مناسبة
ومشاريع توفر لهم احتياجاتهم في حدود طاقاتهم. ما غاب دور الدولة في تشجيع الزواج
المبكر والدفع في هذا الاتجاه إلا في بعض الدول التي استشعرت خطورة الأزمة مثل
الإمارات والكويت؛ وذلك بإنشاء صندوق الزواج. أما بقية الدول فبالعكس أحيانًا يكون
هناك اتجاه لرفع سن الزواج. إن ما وصل إليه حالنا كدول عربية وإسلامية من غياب
للقيمة والهدف من حياتنا وحالة الإحباط العامة التي تسود بلادنا جميعًا والخوف
دائمًا مما سيحدث غدًا لا بد أن يكون سببًا غير مباشر في عزوف الشباب عن الزواج،
وعدم تحمسهم لبدء حياة جديدة كلها أمل وتفاؤل.
رابعا أسباب تربوية: حيث إن الدراسة
بالمدارس تجعل الفتى والفتاة حتى دخول الجامعة ليس لهم همّ إلا النجاح والحصول على
أعلى الدرجات، ثم فجأة يجدون أنفسهم في مواجهة الحياة، وقد خلت كل المناهج
الدراسية مما يساعد الفتاة على أن تكون زوجة وأما وربة أسرة، لم يحدثها أحد عن
معنى الزواج وتبعاته، وكذلك الفتى لم يتعلم معنى المسؤولية، ومعنى أن يكون رب
أسرة، ومعنى الرجولة.. حتى معنى السعي وتكسب الرزق الحلال غاب عن شبابنا. خامسا
أسباب ثقافية وفكرية: حيث إن كل ما يساهم في بناء وصياغة فكر وعقل المجتمع إما
تجاهل المشكلة تمامًا، أو على العكس كان سببًا في تفاقمها، سواء كانت وسائل
الإعلام خاصة التليفزيون والصحف والمجلات أو الكتاب والمفكرين، أو كما ذكرنا طريقة
التربية في المدارس وفي داخل الأسرة نفسها. ولكن أعجب مَن تجاهل المشكلة هم رجال
الدين والفقهاء.. فكيف تخلو الخطب والدروس الدينية من تناول للظاهرة وأسبابها وطرق
العلاج، بالرغم من أننا كشعوب إسلامية عندما تتضح أمامنا الأبعاد الدينية للمشكلة
تختلف طريقة تعاملنا معها؟ الواقع أن غياب البعد الديني ساهم كثيرا في تفاقم
المشكلة، وأعني هنا النظرة الدينية الواعية التي تهتم بدراسة الأرقام والإحصاءات
وكل ما يعتري المجتمع الآن من تغيرات واتجاهات، وليست مجرد مجموعة من الفتاوى
المتفرقة الجامدة التي لا تتفاعل مع المجتمع. سادسا أسباب نفسية: وهذه جاءت نتيجة
لتفاعل كل الأسباب السابقة.. فمنذ 20 سنة كانت كل الأفلام -التي كما هي عامل مؤثر
في ثقافة الشعوب هي أيضا نافذة تعبر عما يجري داخل هذا المجتمع- تعبر عن قصص
النجاح والحب الذي يتحدى العقبات وينتصر، الشاب والفتاة اللذين يحلمان بأن يبدآ
حياتهم بأبسط الإمكانات ليكبرا مع الأيام. أما اليوم فهذا الجيل منهزم من داخله لم
يحاول أن يتحدى العقبات ويهزمها، ولكنه هرب من المواجهة؛ فالخوف من المستقبل وعدم
تحمل المسؤولية والتمسك بل التقيد بكل أسباب الرفاهية والكماليات.. كل هذا هزم روح
التحدي داخلنا، وكأن كل ما مرّ بنا من يأس وانهزام على كافة الأصعدة قد انتقل إلى
داخلنا. تساؤلات تبحث عن إجابة لماذا كلما تحدثنا عن المشكلة اجتذبتنا كلمة
"عانس"، واستنفدت جهدنا ووقتنا، متناسين أن المشكلة ذات شقين لا يمكن
تجاهل أحدهما: "عوانس وعانسون"، وأنهما المشكلة، وهما أيضا الحل؛ حيث إن
المطلوب أن يلتقي هؤلاء العزاب بالعوانس بطريقة مشروعة وصحيحة، وفي ظروف معقولة
تساعدهم على إتمام الزواج، ولكن الأرقام تحمل لنا مفاجأة أخرى.. هي أن في كثير من
الدول مثل مصر والإمارات مثلا يصل عدد العزاب إلى ضعف عدد العوانس!!
شباب وفتيات يتقاذفون الاتهامات
على غير العادة ضجت قاعة المحكمة بأصوات
الحضور الذين يمثلون كلا من الجنسين وهم في عمر الزهور، والذين يصلح أن نطلق عليهم
أزاوج مع إيقاف التنفيذ. ولكن يا ترى ما سبب إيقاف التنفيذ حتى الآن؟ هذا ما
سنعرفه خلال هذه الجلسة بعد الاستماع لطرفي النزاع… الحاجب: محكمة. القضية رقم 1
جريمة إهانة نظم وتقاليد المجتمع بالإعراض عن الزواج ووضع العراقيل أمام إتمامه،
وطرفاها: الشباب والفتيات. ممثل الادعاء وكيل النيابة: السادة القضاة، حضرات المستشارين،
نحن اليوم بصدد قضية غاية في الأهمية؛ إذ تهدد استقرار المجتمع ونظمه وتقاليده
ممثلة في إعراض بعض الشباب عن الزواج، الأمر الذي أشاع الفحشاء والرذيلة واستحسان
عيشة "العزوبية". وهذا كله يخالف الفطرة السوية والشريعة السماوية التي
أمرنا الله باتباعها، ولذا أطالب بأقصى العقوبات على الفاعل الأصلي في هذه القضية،
سواء أكانوا الشباب أو الفتيات. وثقتي كبيرة في عدالة حكمكم.
الحاجب: محكمة.
القاضي: نظرا لاختلاط الأوراق في هذه
القضية، يصعب تحديد أي الطرفين فيها الجاني، وأي منهما المجني عليه. وحتى يسير عرض
القضية في نزاهة دون تعصب أو تحيز سيقوم أولا أحد الشباب ليمثل بالحق المدني، ثم
تقوم إحدى الفتيات باعتبارها الدفاع. ثم نبدل الأدوار فتقوم إحدى الفتيات بعد ذلك
ممثلة الادعاء بالحق المدني، ويقوم أحد الشباب ممثلا للدفاع وهكذا.
القضية الأولى
الحاجب: المدعي الأول عبد الحافظ أحمد، 36
سنة، مدرس ثانوي.
المدعي: سيادة القاضي، إن مشكلة تأخر سن
الزواج نحن الشباب منها براء، إذ تعود لطبيعة الفتيات هذه الأيام اللائي رغم
مطالبتهن بالمساواة المزعومة على الطريقة الغربية تجدهن يعدن أنفسهن إلى أسواق
النخاسة، حيث يهبن أنفسهن لمن يدفع أكثر، ولا عزاء للدين أو الأخلاق أو الأصل
الطيب، فكلها أمور ثانوية عندهن ما دام من يتقدم لشرائهن - معذرة - لخطبتهن جاهز
ماديا بنسبة 100%. ولذا سيادة القاضي نحن الشباب مجني علينا في هذه القضية.
القاضي: الدفاع يقدم نفسه.
الدفاع: اسمي حنان محمود، 27 سنة، دبلوم
فني. الواضح أن الشباب يلقي بتبعة تأخر سن الزواج علينا نحن الفتيات في صورة تدعو
للضحك من فرط المأساة، فكل واحد منهم يعلق تراخيه وعدم جديته على شماعة مطالبنا
التي لا تنتهي، على حد تعبيرهم. وهنا أتساءل: هل يتم الزواج بدون مسكن وأثاث ودخل
ثابت للزوج؟ للأسف الشديد سيادة القاضي، الواحد منهم لا يعمل ويأخذ مصروفه من أبيه
ويريدنا أن نقبله زوجا، كيف؟ لست أدرى.
(تسود القاعة ضحكات عالية ويزيد الهمس)
القضية الثانية
الحاجب: المدعي الثاني، ميساء محمود، 30
سنة، مبرمجة كمبيوتر.
المدعي: سيدي القاضي، نحن فتيات هذا العصر
مظلومات لأبعد حد في هذه القضية التي يتحمل الوزر فيها الشباب فقط، فالماديات لا
تقف عقبة أمام الجادين والراغبين في الزواج، وأرى أن إحجام الكثير من الشباب عن
الزواج يعود إلى إطلاق بعض الأحكام الظالمة علينا، التي تطال شرفنا كجنس كامل في
المجتمع نتيجة علاقاتهم غير السوية مع بعض الفتيات غير المحترمات؛ ولذلك يرى كل
الفتيات غير محترمات ولهن علاقات مشبوهة، فهل هذا من العدل؟
الدفاع: اسمي حسام أحمد، 29 سنة، اختصاصي
اجتماعي. سيدي القاضي، في ظل الثقافة الحديثة للمجتمع التي دعمت الاختلاط بين
الشباب والفتيات، بالرغم من مخالفتها الشرعية، تحت مسميات مثل الصداقة والزمالة
وغيرها… فمن حقنا التثبت والتأني عند اختيار من ستحمل أسماءنا، ولعلي أوجه إلى كل
واحدة منهن هذه الأسئلة:
كم مرة خرجت مع أجنبي واختليا معا؟
كم مرة حادثت زملاءها تليفونيا بالنهار
والليل بداع أو بدون داع؟
خلاصة القول: إنهن فقدن أهم ما نبحث عنه
فيهن من حياء وأنوثة في ظل هذه الأوضاع المتردية.
شهادة الشهود
القاضي: والآن بعد أن استمعنا لطرفي النزاع
بقي أن نسمع لبعض الشهود من ذوي الخبرة والاختصاص في مثل هذه القضايا.
الحاجب: الشاهد الأول: الدكتور أحمد المجدوب
خبير علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية:
"إن مشكلة العنوسة هي نتاج تفاعل
العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مع بعضها.
فالعامل الاقتصادي يتمثل أولا في البطالة
التي تحول دون حصول الشاب على فرصة عمل تدر عليه دخلا ثابتا يمكّنه من تحمل عبء
الزواج وتبعاته. بالإضافة إلى مشكلة الإسكان؛ فإذا وجد الشاب عملا فإنه يتعذر عليه
العثور على مسكن ليتزوج فيه… وهكذا يمتنع عن الزواج ما دام غير قادر ماديا.
أما العامل الاجتماعي فيظهر في عدم تفهم
الأسر للتحولات الاقتصادية وما صاحبها من أزمات وتغيرات اجتماعية، فهي ما تزال
تطالب مَن يتقدم للزواج من بناتها بمطالب يعجز عن تلبيتها. والغريب في الأمر أن
هذه الأسر إذا كان لديها أبناء ذكور فهي تلوم على غيرها من الأسر مبالغتها في
المطالب! وهذه ازدواجية مرَضية آن الأوان للتخلص منها.
أما العامل الثقافي: فيبرز في خروج الفتاة
للتعليم الجامعي، واحتكاكها بالشباب ورؤيتها لأنماط مختلفة منهم؛ الأمر الذي
يجعلها مترددة في الاختيار، وهو ما أدى إلى عدم الإقدام على الزواج بشكل جدي. وظنت
البنات أنهن يستطعن أن يحصلن على العريس "التفصيل" كما يقول العوام؛ ما
يؤدي إلى ضياع الوقت وتجاوز الفتاة سن الزواج. ومن ناحية الشباب فقد أصبح قادرا
على إقامة علاقات محرمة مع الفتيات تتفاوت في قيمها وطبيعتها، فشعر بعدم الحاجة
الملحة للزواج، وبالتالي أرجأ الزواج قدر الاستطاعة؛ لأنه يعلم يقينا أن المجتمع
يقبل أن يتزوج الرجل مهما كان سنه بفتاة صغيرة وقتما يشاء، بينما ينظر المجتمع
بتوجس لفتاة تتزوج مَن هو أصغر منها سنا… وكل هذه العوامل مجتمعة هي التي أدت إلى
تفشي ظاهرة العنوسة في المجتمع بهذا الشكل الذي نراه الآن".
الحاجب: الشاهد الثاني الدكتورة سعاد صالح
أستاذة الفقه بجامعة الأزهر:
"في البداية أوضح أن الإسلام اهتم
كثيرا بعقد الزواج؛ لأنه أساس لبناء الأسرة في الإسلام، والأسرة هي النظام الذي
يقي من غرائز النفس الإنسانية، ولذا يجب أن يقوم على أسس من حسن الاختيار،
والكفاءة، وعدم الإكراه… وأهدافه هي السكن والمودة والرحمة.
ولكننا الآن نخالف المنهج الإسلامي في
الاختيار؛ إذ يقوم على أسس دنيوية من مال أو جمال أو حسب، دون الاهتمام بالدين
والخلق الصالح، وهذا ما أدى إلى انتشار الطلاق والعزوف عن الزواج، ومشكلة العنوسة
التي نحن بصددها.
وأرى أن حل هذه المشكلة يتكون من شقين:
أولهما ديني متمثل في التوعية بأهمية
الكفاءة من ناحية الدين والخلق.
والشق الثاني اقتصادي يعتمد على تذليل
الصعوبات المادية للشباب وتوفير فرص عمل، فضلا عن المسكن المناسب.
كما أن وسائل الإعلام منوطة هي الأخرى
بالمساهمة في علاج هذه المشكلة من خلال القيام بالتوعية الشاملة وتوجيه كلمتها
للأسر المسلمة ودعوتها للاقتداء بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم في تيسير المهور
والحرص على اختيار صاحب الدين والخلق، حيث قال رسولنا صلى الله عليه وسلم:
"إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد
كبير" وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: "أكثر النساء بركة أيسرهن
مهرا".
الحاجب: الشاهد الثالث الدكتور محمد حسن
غانم أستاذ علم النفس بجامعة حلوان:
"دعونا نؤكد أن بقاء الفتاة بدون زواج
مع تقدمها في العمر يؤثر سلبيا على نفسيتها؛ إذ تشعر بالدونية، وبأنها أقل من
الأخريات، وتصرخ بداخلها نداءات الأنوثة والأمومة؛ ما قد يدخلها في دوامات من
القلق والاكتئاب واليأس والتشاؤم من الحياة. وهذه العواقب السلبية لا تقتصر على
الفتاة وحدها، إنما تشمل الأسرة بأكملها، فالأب يعرض ابنته بطرق غير مباشرة على
بعض زملائه أو أبنائهم، وإذا فشِل فإنه يلجأ إلى أساليب لاشعورية تخفف عنه بأن
يبلغ الآخرين بأن ابنته قد تقدم لها الكثيرون، ولكنه رفض أو رفضت لأسباب متعددة،
وقد يتعايش مع هذا الكذب حتى يعتقد بأن ما يرويه من أكاذيب هي الواقع، مما يقوده
إلى كثير من الاضطرابات.
وقد يلجأ الأب للتعامل مع ابنته إلى ثلاثة
أساليب:
- إما التغاضي عن هذه المشكلة وكأنها لم
تكن، والإيمان بأنه قدر الله تعالى ولا أحد يأخذ أكثر مما قسمه الله له.
- أو التشدد والعنف في تعامله مع ابنته
وتشديد الرقابة عليها لأنه يظن لاشعوريا أن في ابنته شيئا ما يجعل الآخرين يعزفون
عن طلب يدها للزواج.
- أو ترك الحبل على الغارب بدعوى أن كثرة
خروج ابنته ورؤية الآخرين لها قد تحمل أحد الشباب على الاقتران بها.
أما الأم فإنها تعيش هذه المشكلة بكامل
طاقتها وعصبيتها وقلقها؛ لأنها كأم تشعر بعمق أحاسيس ابنتها وتعيش على حلم برؤية
ابنتها في عش الزوجية ورؤية أحفادها، ولذا فقد تنتاب الأم حالات من الاكتئاب، وقد
تلجأ إلى السحرة والدجالين؛ ظنا منها أن ابنتها معمول لها "عمل" بوقف
الحال يحول دون زواجها وينفر الشباب منها.
وفي النهاية أنصح كل فتاة بأن تلتزم بدينها
الحنيف، فالمجتمع يقدّر الفتاة المحترمة، والشاب عندما يفكر في الزواج فلن يفكر
إلا فيمن سوف تحمل اسمه فيما بعد، ولا بد أن تستحق - من وجهة نظره - هذا الاسم،
كما أدعو الأسر إلى مراعاة السلوكيات القويمة؛ لأن الفتاة تؤخذ بجريمة أسرتها، وكم
من فتيات صالحات حُرمن من فرص الزواج لأن أسرهن في مستوى الشبهات". وفي النهاية وبعد أن عرضنا لكل أطراف القضية
بقي أن نقول: إنك أنت القاضي في هذه المحكمة عزيزي القارئ، فترى: هل أنت مع الشباب
في ادعائهم، أم مع الفتيات في دفاعهن، أم أنت ضدهما؟ على أية حال نحن عرضنا عليك
القضية بكل أبعادها، ونتركك تختار الحل المناسب وتطبقه عمليا فيالواقع من خلال
أسرتك
دعت بعض جمعيات ومؤسسات الخدمة الاجتماعية
في إيران مؤخرا إلى تقنين "زواج المتعة"، وتقدمت بمشروع اقتراح نُشر في
عدد من الصحف المحلية يقضي بإنشاء مراكز اجتماعية يطلق عليها "بيوت
العفاف" يتم فيها تسجيل عقود شرعية للراغبين والراغبات في الزواج المؤقت من
قبل علماء الدين كالعقود التي تمنح للمتزوجين بالعقد الدائم، وتشكيل هيئة تشرف على
هذه المراكز تتألف من: أئمة الجمعة، وممثل عن قوى الأمن الداخلي، ومستشار اجتماعي،
وفريق طبي من الجنسين متخصص في الأمراض التناسلية. ويحدد الاقتراح الفئات التي
يجوز لها مراجعة "بيوت العفاف" وهي النساء الأرامل والآيسات والمطلقات
اللاتي لا يجدن فرص الزواج الدائم، والعوانس اللاتي فاتهن قطار الزواج. أما
بالنسبة للرجال فالشرط الوحيد هو أن يكون المتقدم لزواج المتعة مضطرا لذلك. وينص
الاقتراح في بعض بنوده على منح المتزوجين بعقد منقطع (زواج المتعة) وثيقة رسمية
تمكنهم من السفر والإقامة في الفنادق والمنتجعات السياحية، وإجراء فحص طبي للرجل
والمرأة من أجل التأكد من سلامتهما من الأمراض المعدية، وتقديم المشورة النفسية
والاجتماعية لهما من قبل إخصائيين يقيمون في "بيوت العفاف"، وتوقيعهما
على تعهد بمراعاة الجوانب الشرعية في زواج المتعة، من قبيل الالتزام بفترة العدة
للمرأة، وتحمل الرجل لواجبات الأبوة عند حدوث الحمل.
وبررت تلك الجمعيات خطوتها هذه بالسعي لاعتماد
"حلول شرعية" في معالجة ومكافحة مظاهر الفساد الاجتماعي والتحلل الخلقي
والعلاقات اللاشرعية بين الجنسين، وهي المظاهر التي أخذت تنتشر على نحو مقلق خلال
العامين الماضيين في العديد من المدن الإيرانية، وضمنها العاصمة طهران، وتأتي
الخطوة أيضا حسب الجمعيات للوقاية من مرض الإيدز والأمراض التناسلية الأخرى التي
قد تنتج عن العلاقات الجنسية المحرمة، وأيضا لمعالجة الكبت الجنسي الذي يعاني منه
الكثير من الشباب الإيرانيين وطلبة الجامعات ممن لا تتوفر لديهم القدرة المادية
على الزواج الدائم، سيما بعد ارتفاع تكاليف تأثيث عش الزوجية وأجور السكن وغلاء
المهور على نحو غير مسبوق في المجتمع الإيراني. ويشار في هذا السياق إلى أن الأسر
الإيرانية اعتادت منذ القدم على اتباع تقليد "الجهيزية" وهو توفير
مستلزمات بيت الزوجية -من مواد منزلية وكهربائية وغيرها- للأنثى منذ الصغر ليكون
ذلك هدية تقدمها الزوجة لشريك الحياة مستقبلا. وعادة ما تفقد الفتيات اللاتي
ينتمين لأسر فقيرة فرص الزواج المناسب بحكم هذا التقليد؛ حيث يعزف عنهن الشباب
الطامح في أن يجد عند من يختارها للزواج "جهيزية جيدة" في مقابل ما
يدفعه من صداق (مهر). جدل واسع نائبات
البرلمان الإيراني وقد أثار الاقتراح جدلا واسعا في الأوساط الإيرانية؛ حيث تباينت
المواقف إزاءه بين معارض ومؤيد ومتحفظ. ودخل الموضوع حلبة التجاذب السياسي إثر
مناقشة الاقتراح داخل قبة البرلمان الذي تتوزع مقاعده على تيارات وقوى سياسية
متنافسة. الإصلاحيون: في هذا السياق قال النائب الإصلاحي حسين أنصاري: "إن
مشروع تأسيس بيوت العفاف ليس مناسبا ولا لائقا ولا يصب في مصلحة البلاد، وإن
معالجة مشاكل الفساد والانحرافات الجنسية لن تكون بهذه الطريقة"، وأضاف في
تصريحات نشرتها الصحف المحلية يوم الخميس 8-8-2002: "أخشى أن تتحول بيوت
العفاف المقترح تأسيسها على صعيد الواقع إلى ما حدث في بيت الهداية الإسلامية الذي
تمّ حله بعد افتضاح أمر القيّمين عليه" وذلك في إشارة إلى مشروع مماثل تم
إنجازه العام الماضي في إحدى ضواحي طهران تحت عنوان "بيت الهداية لإيواء
المراهقات الهاربات من ذويهن" وجرى حله لاحقا بأمر من السلطة القضائية إثر
اكتشاف ممارسات لاأخلاقية من قبل القيّمين عليه. النسويات: وفي السياق ذاته رفضت
عضوات "التكتل النسوي" في البرلمان ومعظم الجمعيات النسوية الإيرانية
بشدة اقتراح تأسيس "بيوت العفاف"، وأصدرن بيانات تندد به وتتهم الجهات
التي تقف وراءه بالعمل على المتاجرة بجسد المرأة تحت ذريعة مكافحة الفساد.
وجاء في بيان أصدره مجلس الثقافة النسوي -أكبر
هذه التجمعات-: "إن الاقتراح لا يعدو عن كونه خدعة لتأسيس بيوت دعارة رسمية،
وتهديد كيان الأسرة الإيرانية عبر تشجيع الرجال على إقامة علاقات خارج إطار عش
الزوجية"، وذهب المجلس النسوي إلى توصيف الاقتراح بـ" المؤامرة الرجالية
التي يراد تمريرها تحت غطاء العفة"!، واتهم المجلس الداعين والمروجين له
بإشاعة الفساد بدلا عن مكافحته، وشدد على رفض النسوة الإيرانيات لأي اقتراح لا
يعالج بواقعية وموضوعية المشاكل الاجتماعية الراهنة والتي تدفع المرأة ثمنا باهظا
جراءها. الأصوليون: ورغم أن اقتراح بيوت العفاف قُدّم من قبل الجمعيات المحسوبة
على التيار المحافظ فإن بعض التشكيلات النسوية المدعومة من هذا التيار أعربت هي
الأخرى عن معارضتها له، ونشرت صحيفة "جمهوري إسلامي" الأصولية في عددها
الصادر يوم الأربعاء 7-8-2002 بيانا لجمعية "أسر شهداء الثورة" استنكرت
فيه الاقتراح واعتبرته "خطوة في الاتجاه الخاطئ، ولا تنسجم مع قيم وأهداف
الثورة الإسلامية".الموقف الرسمي للحكومة: أما على الصعيد الرسمي فقد نفت
الحكومة على لسان الناطق باسمها "عبد الله رمضان زاده" أن تكون لها أي
صلة بالاقتراح، وأكدت أنها تبدي في الوقت ذاته اهتماما كبيرا لمعالجة مشاكل وأزمات
الشباب الإيراني. فيما ذكرت بعض الصحف -عن مصادر لم تحددها- أن الرئيس خاتمي ممتعض
من طرح الاقتراح في وسائل الإعلام العامة. كما انتقدت مؤسسة الضمان الاجتماعي
الحكومية الاقتراح، وأصدرت بيانا مماثلا دعت فيه المؤسسات الرسمية وغير الرسمية
إلى العمل معا من أجل تيسير فرص الزواج الدائم للشباب، وتقديم المساعدات المادية
والعينية لهم، بدلا من اللجوء إلى الزواج المؤقت الذي لا يقدم حلولا جذرية لمشاكل
الشباب، حسب تعبير البيان. الأسباب أهم من الظواهر شابات إيرانيات وفي تعليقها على
الاقتراح قالت مساعدة وزير الداخلية، أستاذة علم الاجتماع في جامعة طهران السيدة
أشرف بروجردي: "أنا أخالف تشكيل بيوت العفاف، رغم أن الداعين إليها قد لا
تكون لهم نوايا سيئة، وربما أرادوا من طرح الاقتراح وقاية المجتمع من مظاهر التحلل
والفساد، ولكن من المفروض أن نسعى للارتقاء بواقع المرأة والمجتمع، ولا نفكر
بأساليب الوقاية فقط". وترى بروجردي أن الاقتراح في حد ذاته يعبر عن نزعة
تسلط رجولية، وقالت في هذا الصدد: "إن أسباب الفساد الأخلاقي لا تتعلق بسلوك
المرأة وحدها، ويجب العمل على تنمية الوعي الديني والاجتماعي لكلا الجنسين من أجل
حفظ سلامة المجتمع؛ إذ ليس من العدل أن تتمحور نقاشاتنا واقتراحاتنا حول النساء
المنحرفات كما لو أن المرأة هي سبب بلاء المجتمع، والمفروض أن نهتم بالمقدمات قبل
النتائج، وأن نبحث بعمق عن الأسباب والعوامل التي تمهد أرضية الفساد، بدلا من
الاكتفاء بمتابعة الظواهر". وتؤكد مساعدة وزير الداخلية على ضرورة تغيير
الثقافة الاجتماعية السائدة، وامتلاك نظرة متوازنة للمرأة والرجل دون تمييز.
وقالت في تصريحات لصحيفة "رويان"
الأسبوعية: "عندما نستقرئ تاريخنا الإسلامي نجد أن العلاقة بين الرجل والمرأة
في صدر الإسلام كانت في أجواء سليمة وأبسط مما عليه الحال في عصرنا الراهن؛ إذ لم
تكن الشكوك والريبة تحيط بأي امرأة تلتقي رجلا؛ وذلك لقوة التمسك بالموازين
الشرعية. أما الآن فنجد في مجتمعنا أن الشكوك تلاحق كل فتى أو فتاة يلتقيان مع
بعضهما، وحتى لو التقت طالبة مع زميلها في حديقة الجامعة أو في المكتبة فإن نظرات
الريبة تحوم حولهما، وكذلك الحال في دوائر العمل عندما تلتقي موظفة مع زميل
لها". وتضيف: "إن التشدد لا ينسجم مع سماحة الإسلام، ويؤدي على نحو غير
مباشر إلى تكوين علاقات خارج إطار الشريعة الإسلامية". وتنسجم هذه الرؤية مع
مطالب التيار الإصلاحي بمزيد من الانفتاح في التعامل مع الشباب، وتقليل الرقابة
المتشددة عليهم من قبل المؤسسات المهتمة بتطبيق فريضة "الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر".موقف الشباب واضح على
الجانب الآخر فإن المؤيدين لاقتراح "بيوت العفاف" رأوا فيه وسيلة ناجعة
للحد من مظاهر الفساد الاجتماعي . ومنهم من يرى أن الزواج المؤقت (زواج المتعة)
يمكن أن يكون أيضا بمثابة فترة خطبة للشباب -سيما الجامعيين- لأجل إبقاء العلاقة
العاطفية في إطار شرعي ريثما يتمكنا من الزواج الدائم، وهو ما تلجأ إليه أحيانا
بعض الأسر؛ لأجل فسح المجال أمام الشاب وخطيبته للتعارف أكثر والخروج مع بعضهما من
دون ارتكاب مخالفة شرعية. أما المعنيون أكثر من سواهم بالاقتراح وهم الشباب فقد
أظهر استطلاع ميداني أجرته جامعة طهران قبل بضعة أيام أن 78.9% من الشباب
والجامعيين في العاصمة يرون في اقتراح إنشاء "بيوت العفاف" خير وسيلة
لمكافحة الفساد الأخلاقي الموجود، والحد بفاعلية من وجوده في المجتمع، مقابل 21.1%
عارضوا الاقتراح. كما أظهرت الدراسة أن 31.1% من المشمولين بالاستبيان يرون أن
"بيوت العفاف" يمكن أن تسهم في حل مشكلة زيادة نسبة النساء على الرجال
(وفق آخر تعداد عام للسكان أجري عام 1997)، وأن 39.8% منهم يعتقدون أن الظروف
الاقتصادية والاجتماعية في الوقت الحاضر لا تساعد الشباب على الزواج الدائم؛ بما
يستدعي إيجاد حلول عملية لذلك. فيما كانت "مؤسسة الكوثر" –إحدى جمعيات
الخدمة الاجتماعية- قد اقترحت حلا بديلا، وهو التوسع في إقامة مراسم الزفاف
الجماعي، وتقديم قروض مالية من المؤسسات الرسمية وغير الرسمية وبنوك القرض الحسن
للشباب والجامعيين لتمكينهم من الزواج المبكر. قمنا بدراسة وفحص ما في زواج المتعة
دراسةً كاملة ومستفيضة، وقد تبين لنا بوضوح ما فيه من مغالطات ومخالفاتٍ الدينُ
منها بَرَاءٌ، والسكوتُ عنها يُعتبر في حكم الكبيرة، يُعَرِّض صاحبَها لعقاب الله
وغضبه " مَن رأى منكم مُنْكَرًا فليغيّرْه ".
كما أن قائلها يأخذ حكمَ المُبْتَدِع لسنة
سيئة " مَن سَنَّ سُنَّةً سيئةً فعليه وزرها ووزر مَن عمل بها إلى يوم
القيامة ".فمؤلف الكتاب يَدَّعي مغالطةً أن زواج المُتْعَة يقوم على وضوح
الرؤية والهدف من البداية، بينما الزواج الدائم لا يضع في حسابه شيئًا من ذلك .
كيف يتأتى هذا المنطق الذي فيه قَلْبٌ للحقائق؟ فما الذي تتضح الرؤية فيه، الدائم
أم المؤقت ! فالدائم يُطْلِع فيه كلٌّ من الزوجين شريكَ حياته على جميع مكنوناته
وأسراره والأحلام التي يتمناها له ولأولاده في مستقبل حياته ، كما أن الغرض
الأساسيّ منه تكوينُ الأسرة السعيدة التي تَنْفَع دينَها ودنياها . عكس الزواج
المؤقت فهدفه أولاً وقبل كل شيء قضاء الشهوة فترةً من الوقت وليس تكوين الأسرة،
وكيف يتأتّى التكوين وهو مُحَدَّد بزمن مُعَيَّن بعد انتهائه يَفترق كلٌّ منهما عن
الآخر ليلتقيَ مع شريك جديد يَقضي معه وَطَرَه فترةً من الوقت أيضًا، وهكذا تتكرر
المأساة عدة مرات ومرات ! كما أن الزوجين كل منهما يَكْتُم عيوبَه عن الآخر
بُغْيَةَ كمال السعادة المؤقتة المتمثلة في قضاء الشهوة، ومن أين يتأتّى فيه السكن
الذي قال الله عنه في كتابه الكريم: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ
أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً
وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم: 21) .
وكيف يكون مصير الأولاد في هذه اللحظة المشغولِ فيها كلٌّ من الأبوين بقضاء سعادته
المؤقتة، والتَّنَحِّي عن مسؤوليته تجاه أولاده التي فرضها الله عليه من إنفاق
وتربية وتعليم وإصلاح وتهذيب . ما أشبه هذا المجتمع الذي يَشيع فيه مثلُ هذه
السموم (الزواج المُؤَقَّت) بمجتمع الحيوانات التي شرَّفنا الله بالبُعْد عنها .
وإذا شاعت في المجتمعات الأوربية فلا يَصِحُّ لها أن ترى نورَ الحياة في المجتمعات
الإسلامية لقوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ
أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ
وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) (آل عمران: 110) ومن النصوص القرآنية التي تُحَرِّم
زواجَ المُتْعَة قوله تعالى: (فما اسْتَمْتَعْتُمْ به منهنَّ فآتوهنَّ
أجورَهنَّ) أي فما نكحتموه على الشريطة
التي جرَت، وهي قوله: (مُحْصِنينَ غيرَ مُسافحين) أي عاقدين للتزويج (فآتوهنَّ
أجورَهنَّ) أي مهورَهنَّ . ومَن ذهب في الآية غيرَ هذا فقد أخطأ وجَهِل اللغة .
قال الألوسيّ: وهذه الآية لا تدل على الحِلّ، والقول بأنها نزلت في المُتْعَة
غَلَط، وتفسير البعض لها بذلك غيرُ مقبول؛ لأن نَظْمَ القرآن يأباه حيث قال جل
وعلا: (مُحْصنين غيرَ مُسافِحين) ففيه إشارة إلى النهي عن كون القصد مجردَ قضاء
الشهوة وصَبّ الماء، فبطلَت المُتْعَة بهذا القيد؛ لأن مقصود التمتع ليس إلا ذاك،
فهو يدل على أن المراد بالاستمتاع هو الوطء والدخول لا الاستمتاع بمعنى المُتْعَة
التي يقول بها الشيعة . وينفي أهلُ السنة بشدة ما جاء من روايات عن طريق بعض
الصحابة بقراءة قوله تعالى: "فما اسْتَمْتَعْتُمْ به منهنَّ (إلى أجل مسمّى)
فآتُوهُنَّ أجورَهنّ" فقد اعتبر أهلُ السُّنَّة هذه القراءة من القراءات
الشاذة التي لا يُعتدّ بها لكونها تُخالِف القراءات المُتواتِرة المُجْمَع عليها
عندهم .
وأما دليلهم من السنة على التحريم فقول رسول
الله صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناسُ قد كنت آذنتُ لكم في الاستمتاع من
النساء، وإن الله قد حرَّم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهنّ شيء فليُخْلِ
سبيلَه، ولا تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئًا ".وقول عمر: إن رسول الله ـ صلى الله
عليه وسلم ـ أَذِنَ لنا في المُتْعَة ثلاثًا ثم حرَّمها، والله لا أعلم أحدًا
يتمتع وهو مُحْصَن إلا رجمته بالحجارة حتى يأتيَني بأربعة يَشهدون أن رسولَ الله
أحلَّها بعد أن حرَّمها . ولقد حَرَّم عمر زواجَ المُتْعَة وبجانبه عظماءُ الصحابة
فأقروه على ذلك، وليس منطقيًّا أن يقروه على باطل، فالساكت عن الحق شيطان أخرس،
والرأي مَكفول لصاحبه، وهم الذين قالوا: لو وجدنا فيك اعوجاجًا لقَوَّمْناك
بسيوفنا . فكان رده عليهم: لا خيرَ فيكم إذا لم تقولوها، ولا خيرَ فيَّ إذا لم
أسمعها منكم . ويُروى أن عليًّا قال لابن عباس، وكان يُبيح المُتْعَة: مهلاً يا بن
عباس فإن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى عنها يومَ خيبر، وعن لحوم الحُمُر
الإنسية . ويَروي الدار قطنيّ عن أبي هريرة أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ
قال: "حَرَّم أو هَدَمَ المُتْعَةَ النكاحُ والطلاقُ والعِدَّةُ والميراث
".إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي وردت في هذا الباب، وما اشْتُهِرَ عن
ابن عباس من حِلّه لزواج المُتْعَة فقد ثَبَتَ رجوعه عنه وعن الفُتْيا بذلك .
اتفقت المذاهب الأربعة وجماهير الصحابة على أن زواج المتعة ونحوه حرام باطل، وكونه
باطلاً عند الحنفية بالرغم من أن هذا الشرط من شروط الصحة؛ لأنه منصوص على حكمه في
السنة، إلا أن الإمام زفر اعتبر الزواج المؤقت صحيحًا وشرط التأقيت فاسدًا أو
باطلاً، أي لا عبرة بالتأقيت ويكون الزواج صحيحًا مؤبدًا؛ لأن النكاح لا يبطل
بالشروط الفاسدة، ورُدَّ عليه بأن العقد المؤقت في معنى المتعة، والعبرة في العقود
للمعاني لا للألفاظ. وقال الشيعة الإمامية :يجوز زواج المتعة أو النكاح
المنقطع بالمرأة المسلمة أو الكتابية، ويكره بالزانية، بشرط ذكر المهر، وتحديد
الأجل أي المدة، وينعقد بأحد الألفاظ الثلاثة: وهي زوّجتك، وأنكحتك، ومتعتك، ولا
يشترط الشهود ولا الولي لهذا العقد، وأحكامه هي: 1- الإخلال بذكر المهر مع ذكر الأجل
يبطل العقد، وذكر المهر من دون الأجل يقلبه دائمًا. 2- لا حكم للشروط قبل العقد،
ويلزم لو ذكرت فيه. 3- يجوز اشتراط إتيانها ليلاً أو نهارًا وألا يطأها في الفرج،
والعزل من دون إذنها، ويلحق الولد بالأب وإن عزل، لكن لو نفاه لم يحتج إلى اللعان.
4- لا يقع بالمتعة طلاق بإجماع الشيعة، ولا لعان على الأظهر، ويقع الظهار على
تردد. 5- لا يثبت بالمتعة ميراث بين الزوجين، وأما الولد فإنه يرثهما ويرثانه من
غير خلاف. 6- إذا انقضى الأجل المتفق عليه، فالعدة حيضتان على الأشهر. وعدة غير
الحائض خمسة وأربعون يومًا، وعدة الوفاة لو مات عنها في أشبه الروايتين أربعة أشهر
وعشرة أيام. 7- لا يصح تجديد العقد قبل انقضاء الأجل، ولو أراده وهبها ما بقي من
المدة واستأنف.
الأدلة:
أدلة الإمامية: استدل
الإمامية على مشروعية النكاح المنقطع أو المتعة بما يلي:
1- بقول الله تعالى:
(فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَة)
[النساء : 4/24] فإنه عبَّر بالاستمتاع دون الزواج، وبالأجور دون المهور، مما يدل
على جواز المتعة، فالاستمتاع والتمتع بمعنى واحد، وإيتاء الأجر بعد الاستمتاع يكون
في عقد الإجارة، والمتعة هو عقد الإجارة على منفعة البضع، أما المهر فإنه يجب بنفس
عقد النكاح قبل الاستمتاع.
2- ثبت في السنة جواز
المتعة في بعض الغزوات منها عام أوطاس، وفي عمرة القضاء، وفي خيبر، وعام الفتح،
وفي تبوك ، قال ابن مسعود: "كنا نغزو مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
ليس معنا نساء، فقلنا" ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخّص لنا أن ننكح المرأة
بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله (أي ابن مسعود): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُم) [ المائدة: 5/87] ، الآية.
وفي صحيح مسلم عن
جابر: "كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق على عهد رسول الله - صلى الله
عليه وسلم .. وأبي بكر، حتى نهى عمر في شأن عمرو بن حريث" .
وكان يقول بجواز
المتعة ابن عباس وجماعة من السلف، منهم بعض الصحابة (أسماء بنت أبي بكر، وجابر
وابن مسعود، ومعاوية وعمرو بن حريث، وأبو سعيد وسلمة ابنا أمية بن خلف)، ومنهم بعض
التابعين (طاووس وعطاء، وسعيد بن جبير، وسائر فقهاء مكة ومنهم ابن جريج).
وأجاز المتعة الإمام
المهدي، وحكاه عن الباقر والصادق والإمامية ، وأما الشيعة الزيدية فيقولون
كالجمهور بتحريم نكاح المتعة، ويؤكدون أن ابن عباس رجع عن تحليله .
وأجيب عن هذه الأدلة
بما يأتي :
1 - إن المراد
بالاستمتاع في آية (فما استمتعتم) [النساء: 4/24]: النكاح؛ لأنه هو المذكور في أول
الآية وآخرها، حيث بُدِئت بقوله تعالى: (وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم)
[النساء: 4/22] وختمت
بقوله سبحانه: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ
الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَات) [النساء 4/25]، فدل على أن المراد بالاستمتاع هنا
ما كان عن طريق النكاح، وليس المراد به المتعة المحرمة شرعًا.
أما التعبير بالأجر:
فإن المهر في النكاح يُسمَّى في اللغة أجرًا، لقوله تعالى:
(فَانْكِحُوهُنَّ
بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوف) [النساء: 4/25] أي
مهورهن، وقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ
أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ) [الأحزاب: 33/50] أي مهورهن.
وأما الأمر بإيتاء
الأجر بعد الاستمتاع، والمهر يؤخذ قبل الاستمتاع، فهذا على طريقة في اللغة من
تقديم وتأخير، والتقدير: فآتوهن أجورهن إذا استمتعتم بهن، أي إذا أردتم الاستمتاع
بهن، مثل قوله تعالى: (إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ) [الطلاق
65/1] أي إذا أردتم الطلاق، ومثل: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاة) [المائدة: 5/6]
أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة.
2 - وأما الإذن
بالمتعة في السنة النبوية في بعض الغزوات، فكان للضرورة القاهرة في الحرب، وبسبب
العُزْبة في حال السفر، ثم حرّمها الرسول - صلى الله عليه وسلم - تحريمًا أبديًّا
إلى يوم القيامة، بدليل الأحاديث الكثيرة، منها:
1- "يا أيها
الناس، إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرّم ذلك إلى يوم
القيامة، فمن كان عنده منهن شيء، فليخلّ سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن
شيئًا" .
2- قال سلمة بن
الأكوع: "رخّص لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في متعة النساء عام
أوطاس ثلاثة أيام، ثم نهى عنها" .
3 - قال سبرة بن
معبد: "إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع نهى عن نكاح
المتعة" .
4 - عن علي رضي الله
عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية
زمن خيبر .
وأما ابن عباس: فكان
يجيز المتعة للمضطر فقط، روى عنه سعيد بن جبير أنه قال: سبحان الله، ما بهذا
أفتيت، وإنما هي كالميتة لا تحل إلا للمضطر. وأما الشيعة فقد توسعوا فيها وجعلوا
الحكم عامًّا للمضطر وغيره، وللمقيم والمسافر.
ومع ذلك فقد أنكر
عليه الصحابة، مما يجعل رأيه شاذًّا تفرد به، فقد أنكر عليه علي رضي الله عنه
قائلاً له: إنك امرؤ تائه ؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – نهى عن متعة النساء
يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية، وأنكر عليه عبد الله بن الزبير رضي الله عنه،
روى مسلم عنه أنه قام بمكة فقال: "إن أناسًا أعمى الله قلوبهم كما أعمى
أبصارهم يفتون بالمتعة – يعرِّض برجل هو عبد الله بن عباس – فناداه ابن عباس، فقال
له: إنك لجلف جاف، فلعمري، لقد كانت المتعة تفعل في عهد أمير المتقين – أي رسول
الله – صلى الله عليه وسلم - فقال له ابن الزبير: فجرب نفسك، فوالله لو فعلتها
لأرجمنك بأحجارك".
ثم نقل المحدثون عن
ابن عباس أنه رجع عن قوله، روى الترمذي عنه أنه قال: "إنما كانت المتعة في
أول الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس له فيها معرفة، فيتزوج المرأة بقدر ما يرى
أنه يقيم، فتحفظ له متاعه، وتصلح له شأنه، حتى نزلت هذه الآية:( إِلاَّ عَلَى
أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) [المؤمنون: 23/6] قال ابن عباس:
فكل فرج سواهما حرام". وروى البيهقي أيضًا وأبو عوانة في صحيحه رجوع ابن عباس
. والقول برجوعه هو الأصح لدى كثير من العلماء، ويؤكده إجماع الصحابة على التحريم
المؤبد، ومن المستبعد أن يخالفهم، روى الحازمي في الناسخ والمنسوخ من حديث جابر بن
عبد الله قال: "خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى غزوة تبوك،
حتى إذا كنا عند العقبة مما يلي الشام، جاءت نسوة فذكرنا تمتعنا، وهن تطفن في
رحالنا، فجاءنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنظر إليهن، وقال: من هؤلاء
النسوة؟ فقلنا: يا رسول الله، نسوة تمتَّعنا منهن، قال: فغضب رسول الله – صلى الله
عليه وسلم – حتى احمرَّت وجنتاه، وتمعَّر وجهه، وقام فينا خطيبًا، فحمد لله وأثنى
عليه، ثم نهى عن المتعة، فتوادعنا يومئذ الرجال والنساء، ولم نَعُد، ولا نعود لها
أبدًا، فبها سُمِّيت يومئذ: ثنية الوداع" . وروى أبو عوانة عن ابن جريج
أنه قال في البصرة، اشهدوا أني قد رجعت عن المتعة، بعد أن حدّثهم فيها ثمانية عشر
حديثًا أنه لا بأس بها . كل هذا يدل على نسخ إباحة المتعة، ولعل ابن عباس
ومن وافقه من الصحابة والتابعين لم يبلغه الدليل الناسخ، فإذا ثبت النسخ وجب
المصير إليه، أو يقال: إن إباحة المتعة كانت في مرتبة العفو التي لم يتعلق بها
الحكم كالخمر قبل تحريمها، ثم ورد النص القاطع بالتحريم.
أدلة الجمهور:
استدل الجمهور على
تحريم نكاح المتعة بالقرآن والسنة والإجماع والمعقول:
1 - أما القرآن:
فقوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى
أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَهَّمْ غَيْرُ مَلُومِينَ *
فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُون) [سورة المؤمنون:
23/5-7]، هذه الآية حرمت الاستمتاع بالنساء إلا من طريقين: "الزواج وملك
اليمين، وليست المتعة زواجًا صحيحًا، ولا ملك يمين، فتكون محرمة، ودليل أنها ليست
زواجًا أنها ترتفع من غير طلاق، ولا نفقة فيها، ولا يثبت بها التوارث.
2 - وأما السنة:
فالأحاديث الكثيرة السابقة المتفق عليها التي ذكرتها عن علي وسَبْرة الجهني وسلمة
بن الأكوع، وغيرهم رضي الله عنهم، والمتضمنة النهي الصريح عن نكاح المتعة عام
خيبر، وبعد فتح مكة بخمسة عشر يومًا، وفي حجة الوداع.
3 - وأما
الإجماع: فقد أجمعت الأمة إلا الإمامية على الامتناع عن زواج المتعة، ولو كان
جائزًا لأفتوا به، قال ابن المنذر: جاء عن الأوائل الرخصة فيها، أي في المتعة، ولا
أعلم اليوم أحدًا يجيزها، إلا بعض الرافضة، ولا معنى لقول يخالف كتاب الله، وسنة
رسوله، وقال القاضي عياض: ثم وقع الإجماع من جميع العلماء على تحريمها، إلا الروافض
.
4 - أما المعقول: فإن الزواج إنما شرع مؤبدًا لأغراض ومقاصد اجتماعية، مثل
سكن النفس وإنجاب الأولاد وتكوين الأسرة، وليس في المتعة إلا قضاء الشهوة، بنحو
مؤقت، فهو كالزنى تمامًا، فلا معنى لتحريمه مع إباحة المتعة. وبه يتبين رجحان أدلة
الجمهور، والقول بتحريم المتعة وبطلان زواجها وبطلان الزواج المؤقت، وهذا ما
يتقبله المنطق وروح الشريعة، ولا يمكن لأي إنسان متجرد محايد إلا إنكار المتعة
والامتناع عنها نهائيا.
حلول
مقترحة على الرغم من قلقنا
من العنوسة وآثارها، فعلينا أن نحترم اختيار البشر في زواجهم أو عدمه فلا ترغم
فتاة على زواج لا ترغبه لمجرد التخلص من شبح العنوسة. نشر ثقافة الزواج وأهميته
لتوفير الكثير من الاحتياجات الفطرية للنفس السوية بشكل سوي يتوافق مع القيم
الدينية والأخلاقية والأعراف السليمة، فالزواج (على الرغم من انتقاد البعض له أو
الشكوى من مشاكله) هو أفضل مؤسسة اجتماعية عرفها البشر حتى الآن، ويؤدي وظيفة
بنائية ضرورية لاستمرار الجنس البشري وارتقائه خاصة في حالة قيامه على أسس سليمة.
الاهتمام بدعم شبكة العلاقات الأسرية والاجتماعية التي تيسر التعارف والتزاوج
وتعزز الثقة المشجعة على الاقتران. تبسيط وتسهيل إجراءات الزواج ونفقاته بما
يتناسب مع الظروف الاقتصادية والاجتماعية الحالية. إتاحة فرص العمل للشباب العاطل،
فالشاب العاطل غير المتزوج يعيش حالة من عدم الاستقرار (يقابله فتاة عانس غير
مستقرة غالبا) وهذا يؤدي إلى شيوع حالة من عدم الاستقرار في المجتمع ككل ينتج عنها
الكثير من مظاهر التطرف أو الانحراف. إنشاء جمعيات أهلية تهتم بتسهيل التعارف
وتسهيل إجراءات الزواج لمن يريدون. إنشاء صندوق للزواج على غرار ما فعلت الإمارات
العربية المتحدة والكويت والسعودية، وهذا الصندوق يساهم فيه رجال الأعمال
والراغبون في فعل الخير وحماية السلام الاجتماعي، وهو مخصص لمنح سلف معقولة لراغبي
الزواج تقسط على سنوات طويلة وبشكل يتحمله الشاب والفتاة.
قبول تعدد الزوجات بشروطه الشرعية كجزء من الحل
خاصة إذا عرفنا أن الشباب غير المتزوج غالبا ما يعزف عن الاقتران بعانس خاصة حين
يكبر سنها، وبالتالي لا تكون أمامها غير فرصة الزواج بمتزوج، وقد قامت في القاهرة
جمعية تدعو لهذا الأمر حين أيقنت الحاجة الماسة لتغيير اتجاهات المجتمع نحو موضوع
التعدد لحل بعض المشكلات الشخصية والاجتماعية في ظروف معينة وبشروط محددة لا تخل
بحقوق أي طرف، وقد يزعج هذا الأمر الكثير من النساء المتزوجات، وقد تقف ضده الكثير
من الجمعيات النسائية، ولكن من ينظر إلى مصالح سائر أفراد المجتمع بنظرة واسعة
فإنه يرى أن بعض الحلول ربما تبدو في نظر بعض الناس صعبة، ولكن مردودها الأوسع
أكثر إفادة للمجتمع بسائر أفراده. تقديم الرعاية النفسية والاجتماعية للعانس خاصة
إذا تعرضت لمشكلات مادية أو نفسية أو اجتماعية، مع مراعاة مشاعرها وعدم تجريحها
بالتصريح أو التلميح. وعلى العانس التي لم توفق في اختيار الشريك المناسب أو
اختارت حياة الوحدة أن تجد معنى لحياتها، وأن توجه طاقاتها في نواح إيجابية ومثمرة
ومشبعة تعطيها تعويضا عن الزوج والأطفال والجو الأسري، وعلى المجتمع أن يساعدها في
ذلك وأن يحترم ظروفها وخياراتها. العانس في اللغة ( هي
المرأة التي طال مكثها في بيت أهلها ولم تتزوج قط، وأيضا يصح أن يقال للرجل: إنه
عانس، ولكن المفهوم السائد يرى أن العانس هي امرأة). و في القاموس يقال ان :( كل
امرأة فاتها سن الزواج فهى عانس ) أن العنوسة تعد من المعضلات المستعصية على
العلاج بالوطن العربي تحديدا لان الغرب وان كنا نختلف معه في سبل العلاج فقد وجد
حلول لا اخلاقية وبالطبع لن نسير على خطاهم لان ديننا لا يسمح بذلك ولا فطرتنا السليمة
ونحن خير الامم !!! ولكن قبل ان نخوض في غمار بحثنا عن صحة التعدد او بطلانه علينا
ان نعي بعض المعلومات الهامة وذلك للوقوف على طبيعة المشكلة 000ففى الولايات
المتحدة الأمريكية تبين أن عدد الإناث يزيد على عدد الرجال بأكثر من ثمانية ملايين
امرأة .. وفى بريطانيا تبلغ الزيادة خمسة ملايين امرأة ، وفى ألمانيا نسبة النساء
إلى الرجال هي 3 : 1 .. !!!!! وفى كل من العراق وإيران اختل التوازن العددي بين
الرجال والنساء بصورة مفزعة بسبب الحرب الضارية التي استمرت بين البلدين ثماني
سنوات .. فالنسبة تتراوح بين 1 إلى 5 في بعض المناطق!!! اما في السعودية فأن حجم
العنوسة قد بلغ 4 ملايين وفي الأردن يقترب من الـ 100 ألف ... وفي الامارات عدد
العوانس 170ألف ،اما الغالية مصر فحدث ولا حرج فعدد العنوسة وصل الى 8.6 مليون فتاة و في الجزائر 11 مليون بنسبة 31
% من مجموع السكان ، و الكويت مثلا حوالي 40 ألف فتاة 0 والأمر الشديد الغرابة
والخطورة في جمهورية البوسنة والهرسك فالنسبة هي رجل لكل 27 امرأة 0اذن فهى نسب
وارقام مفزعة ومخيفة لدرجة اننى حين قرات هذه الارقام اتيت اليكم بهذا الموضوع لاهميته واثاره تحديدا
على المراة قبل الرجل 0فحرمان المرأة من الزواج يعنى حرمانها من العواطف وهذا لاشد
خطورة من حرمانها الجنسي .. فمتعة الإشباع الجنسي بدون عواطف ليس لها أي تأثير لدى
المرأة .. بينما الكلمة الرقيقة واللمسة الحانية تأثيرها أكثر بكثير ، وتجعلها
تنعم بالإشباع الجنسي .. ان بعض دول الغرب تتجه حاليا لتطبيق نظام يكفل تعدد
الزوجات فالمانيا مثلا يسعى مشرعيها حالياً على دراسة قانون يسمح بالتعدد !!! فعلى مايبدو انهم اخيرا اقتنعوا بما جاء به
الاسلام وامنوا بالحديث النبوى الشريف : (
تبقى النساء ويذهب الرجال حتى يكون لخمسين امرأة قيم [ رجل ] واحد ) حديث شريف 0و
اعجبنى كثيرا تسأل الكاتب الشهير الفرنسي أتيين دينيه : (( هل حظر تعدد الزوجات له
فائدة أخلاقية ؟! ويجيب بنفسه : إن هذا الأمر مشكوك فيه .. لأن الدعارة النادرة في
أكثر الأقطار الإسلامية سوف تتفشى بآثارها المخربة ، وكذلك سوف تنتشر عزوبة النساء
بآثارها المفسدة ، على غرار البلاد التي تحظر التعدد . قال سينار – وهو عضو مجلس
النواب الفرنسي - : " إن في فرنسا الآن مليونين وخمسمائة فتاة لن يجدن
أزواجاً لهن على افتراض أن لكل شاب فرنسي زوجة واحدة ( إلى أن قال ) وفي اعتقادي
أن القانون الذي يحكم على تلك الفئة الكبيرة بأن يعش على نقيض ناموس الطبيعة إنما
هو قانون منافي لكل عدالة " !!!! اما الروس فجاء الرد على لسان الكاتب جوستاف لوبون في كتابه ( حضارة العرب )
: اذ قال " إن تعدد الزوجات يجنب المجتمع ويلات هذه الآفة من أخطار الخليلات
ويتخلص القوم من الأولاد الذين لا أب لهم " أي أبناء الزنا "0فالمسالة
اذن معقدة و لها ابعاد كثيرة فبعضها ذات ابعاد دينية او اقتصادية او اجتماعية او
حتى سياسية ، وقد ذهب الغالبية من المفكرين واصحاب العمائم الى تحليل الامر
واجازته ولكن بشروط 0ان مشاكل العنوسة مردها الاساسي هو عزوف الشباب عن الزواج ليس
بدعوى عدم رغبتهم بالارتباط وانما لاسباب اقتصادية بحته مثل البطالة وارتفاع
المهور والشقق وغلاء المعيشة... وغيرها ويهمنا هنا معرفة راى الدين والشرع الاسلامى في مسألة التعدد 000ان كثير من الناس
يجهل أن الأصل في الزواج هو التعدد و أن اتخاذ زوجة واحدة فقط يكون في حالة خوف
عدم العدل بين الزوجات قال تعالى : ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي
الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ
وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ
أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ
) [ النساء 3] قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تفسيره" أضواء
البيان "عند هذه الآية : " وإنه يجوز نكاح أربع ويحرم الزيادة عليها كما
دل على ذلك إجماع المسلمين " وقال القرطبي في تفسيره : " إن المراد من
الخوف في الآية هو غلبة الظن فيكون المعنى : أنه لكم نكاح أربع زوجات فإن غلب على
ظنكم عدم القدرة على العدل بينهن فثلاث فإن غلب الظن عدم العدل بينهن فاثنين فإن
غلب الظن عدم العدل فواحدة " وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى : " معنى (
إِنْ خِفْتُمْ ) أي أيقنتم " فيكون المعنى إذا جزمتم بعدم العدل بينهن فواحدة
. ومن أدلة الشرع على تعدد الزوجات قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( تزوجوا
الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم ) . ومن الصحابة الذين أُثر عنهم كثرة الزواج
والتعدد عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - قال ابن كثير في كتاب " البداية والنهاية
" له : " مجموع نسائه اللاتي
تزوجهن في الجاهلية والإسلام ممن طلقهن أو مات عنهن سبع "وقال الأمام أحمد بن
حنبل إمام أهل السنة – رضي الله عنه - : " أرى في هذا الزمان للرجل أن يتزوج
اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً يريد العفة " وهذا في زمانه فكيف بزماننا هذا
الذي كثر وانتشر فيه الفتن في كل مكان ؟و ختاما ً هل الاجدر بالفتاة ان تعيش وتموت
انسة وعانس ام تصبح زوجة ثانية وتحظى بنصف رجل ؟!!!!
المغالاة في المهور
سبب عزوف السوريين عن الزواج أرجعت دراسة
جرت في سوريا السبب في تأخر سن الزواج لدى السوريين إلى المغالاة في المهور
وارتفاع سقف مطالب الفتيات. وقالت الدراسة إن نسبة العزاب بين الذكور السوريين
الذين تتراوح أعمارهم بين 25 29و سنة بلغت 50 بالمئة بينما بلغت نسبة الإناث من
نفس الفئة 60 بالمئة. ونشرت صحيفة"الثورة" السورية في عددها الصادر امس
تحقيقا مطولا عن أسباب عزوف الشباب عن الزواج وتأخر سن الزواج لدى السوريين. وطرحت
الجريدة نتائج استطلاع لآراء عدد من الشباب السوري من كلا الجنسين. وقالت الصحيفة
إن 75 بالمئة من المستطلعة آراؤهم رأوا أن تأمين المسكن هو العقبة الكبرى في طريق
الزواج وهي العتبة التي إن تخطاها الشاب تمكن من الدخول للقفص الذهبي. في حين رأى
82 بالمئة أن غلاء المهور وارتفاع سقف مطالب الفتيات وأهلهن كان العامل الأقوى في
عدم إقدام الشباب على هذه الخطوة رغم رغبتهم في تحقيقها. وأعرب 85 بالمئة من
الرجال عن رغبتهم في الزواج من امرأة تعمل موظفة بينما رأى الباقون أن المرأة خلقت
لتهتم ببيتها وأولادها ولا حاجة لعملها وهذا ما عارضته النساء فقد رأت معظمهن أن
عمل المرأة ضروري لها ويحميها من "غدر الزمن وظلم الرجل واستبداده".
وأشارت الدراسة إلى أن 30 بالمئة من الرجال فضلوا العزوبية هربا من "تسلط
المرأة ورغبة بالاستقلالية في الرأي" ، بينما رأى 50 بالمئة منهم أن المرأة
لا تستطيع فرض شروطها ما لم يتح لها الرجل المجال بينما أبدى 20 بالمئة استعدادهم
للتفاهم والحوار مع زوجاتهم. ورأى 63 بالمئة من المستطلعة آراؤهم أن الدراسة
الجامعية تسهم في تأخير الزواج بينما لم يمانع 20 بالمئة من الزواج أثناء الدراسة
، وعارضه بشدة 17بالمئة. وبحسب الدراسة وجد 58 بالمئة من الشباب السوري أن الفرق
بين مستويات التحصيل العلمي بين الرجل والمرأة يعتبر أحد العوامل المؤثرة على
الزواج وخاصة الفتاة التي لا تفضل الاقتران بزوج أقل منها في المستوى العلمي. ورفض
58 بالمئة ممن شاركوا في الاستطلاع تدخل الأهل في اختيار شريك الحياة بينما قبل به
12بالمئة ، معتبرين أن اختيار الأهل قد يكون الأنسب لخبرتهم العريضة.
المرأة وقضايا الإصلاح*
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ،والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
أجمعين.
تواجه أمتنا الإسلامية تحديات جمة وخطيرة تستهدف هويتها وعقيدتها وتراثها
وحضارتها وثرواتها وعزتها وكرامتها وحريتها ،والمملكة العربية السعودية في مقدمة
هذه الدول لأنَّها قلب هذه الأمة ومركز ثقلها الروحي ،فهي مهد الإسلام ومهبط الوحي
،وبها قبلة المسلمين "الكعبة المشرفة" ،وهي مصدر وحدة المسلمين في جميع
أنحاء الأرض ،فكل مسلم يتحراها في أي مكان كان ليتوجه إليها خمس مرات في
اليوم،والكعبة المشرفة هدف أعداء الأمة ،ولقد أشار إليها رئيس الوزراء البريطاني
مستر جلادستون في أواخر القرن التاسع عشر في مجلس العموم البريطاني ، وقد أمسك
بيمينه كتاب الله عزَّ وجلَّ ،وصاح في أعضاء البرلمان وقال: ( إنَّ العقبة الكؤود
أمام استقرارنا بمستعمراتنا في بلاد المسلمين هي شيئان،ولابد من القضاء عليهما
مهما كلَّفنا الأمر ، أولهما هذا الكتاب ،وسكت قليلاً بينما أشار بيده اليسرى نحو
الشرق وقال :هذه الكعبة!!)1
والمملكة العربية السعودية بها الكعبة المشرفة ،ومهبط الوحي ،فكيف لا تكون
في مقدمة أهداف أعداء الأمة الإسلامية خاصة أنَّها دولة قامت على تطبيق الشريعة
الإسلامية ،ونهج المنهج الإسلامي،ودعمها للمسلمين وقضاياهم في كل مكان ،وإقامتها
المساجد والمراكز والمعاهد والمدارس الإسلامية في مختلف قارات العالم،مع طبعها
سنويا ملايين النسخ من المصحف الشريف ،وتزويد تلك المساجد والمعاهد والمراكز بها
،بل إهداء كل حاج مصحفاً قبل مغادرته الأراضي المقدسة ،فهذا في مقدمة العوامل التي
استهدفت الحكومة السعودية بشكل خاص بالحملة المسعورة ضد الإسلام والمسلمين ،ويحاول
الآن الأعداء النفوذ إلينا من خلال ثغرات موجودة في مجتمعنا،واستغلال هذه الثغرات
للانقضاض علينا مدعين أنَّهم يريدون لنا الحرية والعدل والديمقراطية ،هذه الكلمات
التي يخدعون بها البعض من أبناء أمتنا من المنبهرين بالغرب وحضارته وثقافته وحريته
وديمقراطيته الزائفة ،فينصاعون وراء تلك الشعارات الزائفة،ويكونون عوناً لأعدائنا
علينا ،وما يلبثوا أن يجدوا أنفسهم وقعوا وأوقعوا معهم أمتهم وأوطانهم في مستنقع
عميق لا قرار له ،ولا مخرج منه إلاَّ بعد تقديم الملايين من الشهداء خلال عدد من
السنين لا يعلم مداها إلاَّ الله وحده.
ولئلاَّ تتكرر مأساة أفغانستان والعراق علينا أن نعمل على إصلاح ما بأنفسنا
(إنَّ الله لا يُغيِّر ما بقومٍ حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم)،ونحدد دور كل واحد منا
في هذا الإصلاح ،وأن نكون يداً واحدة وجبهة واحدة يتضامن فيها الشعب بكل فئاته
وعناصره مع حكومته ،والعمل على سد كل المنافذ والثغرات التي قد ينفذ الأعداء إلينا
منها.
من هنا جاءت دعوة ولي العهد والنائب الأول صاحب السمو الملكي الأمير عبد
الله بن عبد العزيز آل سعود إلى الإصلاح الداخلي السياسي والاقتصادي والثقافي
والاجتماعي ،وأكد على ضرورته أيضاً النائب الثاني ووزير الدفاع صاحب السمو الملكي
الأمير سلطان ابن عبد العزيز آل سعود،وقد أوليا اهتمامهما به بفتح صدريهما
وأبوابهما لسماع كل ما من شأنه يهدف إلى الإصلاح ،والذي عهدته من أولي الأمر في
بلادي أنَّهم يريدون ممن يتحدث عن إصلاح أن يوضح رؤيته في هذا الإصلاح كيف يكون
،وآلية تنفيذه كيف تتم ،ولكن للأسف وجدتُ مما قرأته بهذا الصدد لبعض كتابنا وحملة
الفكر لدينا أنّهم تحدثوا عن فلسفة الإصلاح ووجوبه ،ولكن لم يبينوا كيفيته
،فأولياء الأمر قالوا بضرورة الإصلاح ،وهم مدركون أهميته وضرورته،ولكن يريدون منا
أن نقدم لهم رؤانا في هذا الإصلاح ليدرسوها ،وينتقوا منها الأصلح ،والأكثر قابلية
للتنفيذ.
المرأة.. وقضايا الإصلاح
يعد الإصلاح الإجتماعى القاعدة الأساسية التي يرتكز عليها الإصلاح الداخلي
في كل مجالاته،فإذا صلح هذا الجانب ،استقامت الحياة في المجتمع ،وصلحت جميع
مرافقه،كيف يكون هذا؟
إنَّ موطن الخلل في هذا المجتمع الرؤية المتضاربة لدور وتركيبة عنصر هام
وفعَّال في هذا المجتمع يشكل نصفه ،بل هذا العنصر هو المكوَّن الأساسي لهذا
المجتمع بحكم دوره ومسؤوليته في الإعداد والتربية ،وأعني بهذا العنصر "
المرأة" أجل المرأة هذا المخلوق الإنساني الذي كرَّمه الله ،وجعله خليفته في
الأرض مثله مثل الرجل،وساوى بينه وبين الرجل في الإنسانية ،وفي الأجر والثواب ،وفي
حق التعليم ،وإبداء الرأي ،والمشاركة في الحياة العامة ،كما ساوى بينه وبين الرجل
في الحدود والقصاص والعقوبات ،وكلَّفه بمهام يعجز الرجال القيام بها ،وهي إنجاب
هذا الإنسان وتربيته وإعداده ليواجه الحياة ،وليكون عنصراً فعالاً فيها،ولكن لم
يقصر دوره على هذا بل أعطاه من الحقوق ما يجعله يشارك في البناء في مختلف المجالات
وفق طبيعته الفطرية وضوابط وضعها له لحمايته ممّا يواجهه من مخاطر وعراقيل.
فالمرأة في الإسلام مخلوق مكرَّم أماً وزوجة ،أختاً وابنة ،وجعل الإحسان إليها
طريقاً إلى الجنة . والمرأة في المجتمع الإسلامي عنصر فعَّال فيه،ولها مشاركات على
مختلف الأصعدة السياسية والقتالية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية والثقافية
والطبية في مختلف العصور،وسير الصحابيات الجليلات رضوان الله عليهن ،ونساء الإسلام
في مختلف العصور تشهد بهذا،ولا يتسع المجال هنا لسرد هذه السير، ولكن الذي تخرج به
منها الآتي :
1- كان لها دور أساسي في حفظ التشريع الإسلامي من خلال روايتها للحديث الذي
يمثل المصدر الثاني للشريعة الإسلامية ،وهذا يؤكد على عدالتها ،وكامل أهليتها و
مقدرتها على الحفظ والضبط ،وهذه شروط راوي الحديث ،ولم يؤثر أن وُصفِت راوية حديث
بالخلط أو التدليس.
2- الثقة في قدرة المرأة على الحفاظ على ما تؤتمن عليه مهما كان هذا المؤتمن
عليه خطيراً وهاماً وحساساً ،ولا يوجد أهم من كتاب الله ،دستور هذه الأمة ؛إذ
ائتمنت على حفظ النسخة الوحيدة منه أم المؤمنين السيدة حفصة بنت عمر ابن الخطَّاب
رضي الله عنهما، وأسماء بنت أبي بكر الصديق قد ائتمنت على سر الهجرة النبوية
،وشاركت مشاركة عملية في إنجاحها.
3- حصولها على حق الفتوى ،وممارستها له ،وكان من أمهات المؤمنين رضوان الله
عليهن اللواتي مارسن الفتوى : _ أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها:وهي راوية
للحديث ،وقد مارست الفتوى في زمني أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ،وكانت تأتيها
مشيخة محمد صلى الله عليه وسلم يسألونها في عويص العلم ومشكله فتجيبهم جواباً
مشبعاً بروح التروي والتحقيق ممَّا لا يتسنى إلاَّ لمن بلغ في العلم مقاماً علياً
،قال أبو بردة بن أبي موسى عن أبيه : ما أشكل علينا أصحاب محمد أمر قط فسألنا عنه
عائشة إلاَّ وجدنا عندها منه علماً
وقال مسروق : رأيتُ مشيخة أصحاب محمد الأكابر يسألونها عن الفرائض.) [أنظر
: الإصابة لابن حجر ،كتاب النساء رقم 11461 ]
وقال عطاء بن أبي رباح :( كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس
رأياً في العامة
وقال المقداد بن الأسود : ( ما كنتُ أعلم أحداً من أصحاب رسول الله صلى
الله عليه وسلم أعلم بشعر ولا فريضة من عائشة.)
وقال الزركشي في المعتبر : ( إنَّ عمر بن الخطَّاب وعلي بن أبي طالب كانا
يسألانها في مسائل فقهية عديدة .)
وفي شرح الزرقاني وفتح الباري : ( أنَّ عائشة كانت فقيهة جداً حتى قيل إنَّ
ربع الأحكام الشرعية منقول عنها )
وقال عروة بن الزبير : ( ما رأيتُ أحداً أعلم بالقرآن ولا بفرائضه ولا
بحلال ولا بحرام ولا بشعر ولا بحديث العرب ولا بنسب من عائشة .وقال أيضاً : ( ما
رأيتُ أعلم بفقه ولا طب ولا شعر من عائشة)
وأم المؤمنين السيدة حفصة رضي الله عنها كانت أيضاً من راويات الحديث عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وكانت تفتي ،وقد ولاَّها أبوها عمر رضي الله عنه
نظارة وقفه الذي أوقفه في حياته مع وجود أولاده ومنهم الفقيه العالم " عبد
الله " ،كما حفظ عندها نسخة القرآن الكريم الوحيدة مع وجود كبار الصحابة مثل
عثمان وعلي رضي الله عنهما ،وغيرهما من كبار الصحابة ،وكل هذا إشارة منه لإثبات
أهلية المرأة للولاية ،ولإئتمانها على دستور الأمة
وممن عرف عنهن بالفتوى أم المؤمنين السيدة ميمونة بنت الحرث.
ومن النساء المسلمات اللواتي مارسن الفتوى :
وأم عيسى بنت إبراهيم بن إسحاق الحربي توفيت في رجب سنة 328هـ [ انظر تاريخ
بغداد للخطيب البغدادي ،والبداية والنهاية لابن كثير ، والمنتظم لابن الجوزي
،وصفوة الصفوة لابن الجوزي ]
وأمة الواحد بنت الحسين بن إسماعيل المحاملي توفيت سنة 377هـ ،وكانت عالمة
فاضلة وفقيهة متفقهة في المذهب الشافعي ،وكانت تفتي مع أبي علي بن أبي هريرة . [
أنظر تأريخ بغداد للخطيب البغدادي ،وصفوة الصفوة لابن الجوزي ،والمنتظم لابن
الجوزي ،وطبقات الشافعية لجمال الدين الأسنوي ،وشذرات الذهب لابن العماد،والنجوم
الزاهرة لابن تغري بردي ، ومرآة الجنان لليافعي]
هذا وقد استند الإمام ابن جرير الطبري إلى أهلية المرأة للفتوى بأهليتها
للقضاء لأنَّ الفتوى لا تشترط الذكورة وكذا القضاء.
4-حصولها على حق الشورى :
فلقد أخذ الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم بمشورة أم سلمة رضي الله عنها في
أمر حساس من أمور الأمة ،عندما عزَّ على صحابته رضوان الله عليهم أن يحلوا الإحرام
بعد صلح الحديبية دون أن يؤدوا العمرة التي خرجوا من أجلها ،إذ طلب منهم الرسول
صلى الله عليه وسلَّم التَّحلل من الإحرام فلم يفعلوا ،وذكر الأمر لأم سلمة رضي
الله عنها ،فأشارت إليه أن يبدأ هو بما يريد ،ففعل فقاموا فنحروا ،وجعل بعضهم يحلق
لبعض.
هذا وقد أشارت أم سليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين ،فعن أنس
أنَّ أم سليم رضي الله عنها يوم حنين قالت : يا رسول الله : اقتل من بعدنا من
الطلقاء انهزموا بك ،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أم سليم إنّ
الله قد كفى وأحسن"
كما أخذ سيدنا عمر رضي الله عنه برأي المرأة القرشية عندما جمع المسلمين
،وكان ذلك بمثابة مجلس شورى ليعرض عليهم أمر تحديد المهور ،ومحاجة المرأة القرشية
له دليل على أنَّ في هذا المجلس كان يوجد نساء ورجال ،وأخذه برأيها يوحي أنَّ لها
حق الجلوس في مجالس الشُّورى ،ولها حق إبداء الرأي.
وقد أشارت أم المؤمنين حفصة بنت عمر على أخيها عبد الله بعد طعن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه في المسجد بأن يخبر أباه ما يقوله الناس بأنَّه لم يستخلف
،وأخذ برأيها وأخبره بذلك ،كما أخذ برأيها عندما أشارت عليه بحضور يوم التحكيم
قائلة له " إنَّه لا يجمل بك أن تتخلف عن صلح يصلح الله به بين أمة محمد
،وأنت صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمر بن الخطَّاب.
وهكذا نجد كيف تمتعت الصحابيات الجليلات رضوان الله عليهن بحق الشورى التي
لم تقتصر على شؤون المرأة ،وإنَّما امتدت إلى شؤون الحكم ،وشؤون الدولة.
لقد حصلت المرأة المسلمة على حق الشورى امتثالاً لقوله تعالى في الآية 159
من سورة آل عمران : ( فَبِمَا رَحمَةٍ مَّن اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ
فَظَّاً غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِك فَاعفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ
لَهُمْ وَشَاوِرْهُم في الأَمْرِ) واضح من الآية هنا أنَّ الخطاب جاء بصيغة العموم
،أي يشمل الذكور والإناث،وإلاَّ لكانت دعوته صلى الله عليهم خاصة بالرجال دون
النساء إن اعتبرنا أنَّ قوله جل شأنه ( وشاورهم في الأمر) قاصر على الرجال)؛إذ لا
يمكن تجزئة الخطاب هنا إلى جزئين جزء يشمل الرجال والنساء ،وهو الخاص بالدعوة
،أمَّا الجزء المتعلق بالشورى فهو خاص بالرجال فقط،وذلك من أجل أن نحرم المرأة من
حق الشورى!ولو كان الأمر كذلك لاستثنى الله جلَّ شأنه النساء منها.
،وقوله تعالى في الآية 38 من سورة الشورى : ( وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا
لِرَبَّهم وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا
رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون)
فالخطاب هنا جاء بصيغة العموم أيضاً ،ولو قصرنا قوله تعالى ( وأمرهم شورى
بيْنهم ) على الرجال دون النساء ،فهذا يعني أنَّنا قصرنا الصلاة والزكاة والصدقات
التي هي من الإنفاق على الرجال أيضاً ،وأسقطنا ذلك عن النساء ،وهذا يتنافى عمّا
جاء به الإسلام.
5- حصولها على حق البيعة : فلقد بايعت النساء الرسول صلى الله عليه وسلم في
العقبة ،وفي المدينة وآية البيعة صريحة في سورة الممتحنة،إذ يقول جلَّ شأنه ( يا
أيها النَّبيُ إذا جاءك المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنكَ على أنْ لا يُشْرِكنَ باللهِ
شيئاً ولا يَسْرِقَنَ ولا يزْنِينَ ولا يَقْتُلنَ أوْلاَدَهُنَّ ولا يأتِين
بِبُهْتانٍ يفترِينَهُ بين أيديِهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ ولاَ يَعْصِينَكَ في
معْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ واسَتغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إنَّ اللهَ غفُورٌ رَّحيم)
هذا نص قرآني واضح وصريح ،ولا يحتاج إلى اجتهاد أو تأويل قد خصَّ الله جلَّ
شأنه فيه النِّساء بالبيعةِ تأكيداً على أنَّ بيعتَهنَّ مستقلةٌ عن بيعة الرِّجال
،أي ليست تابعة لمبايعة الرجال ،وإنَّما متممة ومكملة لها ولا تكتمل البيعة إلاَّ
بها . ومن هذا المنطلق فالمرأة لها حق مبايعة الحاكم في أنظمة الحكم القائمة على
المبايعة ،وحق الانتخاب في الأنظمة القائمة على الانتخابات ،وهنا أتساءل هل توجد
بيعة للنساء في عصرنا هذا ؟
6- ممارستها لحق الولاية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: مارست
الصحابية الجليلة سمراء بنت نُهَيْك حق الولاية على السوق في مكة المكرمة ،فقد ذكر
ابن عبد البر في الاستيعاب : ( أنَّها من ربات الوعظ والإرشاد ،أدركت الرسول صلى
الله عليه وسلم ،وقد عمَّرت ،فكانت تمر في الأسواق ،وتأمر بالمعروف وتنهى عن
المنكر ،وتضرب الناس بسوط كان معها) ،وقد ذكرها ابن حجر في الإصابة، كما ولى سيدنا
عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه الشِّفاء من بني عدي الحسبة ،واعتبر الفقهاء الحسبة
نوعاً من أنواع القضاء.كما ولى سيدنا عمر بن الخطَّاب ابنته السيدة حفصة رضي الله
عنهما نظارة الوقف الذي أوقفه ، كما كان النساء يعلمن الرجال ويجزن العلماء ،فعلى
مر العصور كانت المرأة التي بلغت قدراً كبيراً من العلم يسمع عنها علماء الأمة
وفضلائها ونبلائها وكانت تجيزهم وتعلمهم ،منهن:
- السيدة عائشة ،أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما ،وقد
بيَنتُ ذلك.
- السيدة أسماء بنت عُميس رضي الله عنها ،وقد أسلمت قبل دخول الرسول صلى
الله عليه وسلم دار الأرقم وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب،وهاجرت
إلى المدينة ،وقد روت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ستين حديثاً ،وكان عمر بن
الخطاب رضي الله عنه يسألها عن تفسير المنام ،ونقل عنها أشياء من ذلك.2
- السيدة الصحابية الجليلة نُسيبة بنت الحارث الأنصارية ،كانت من فواضل
الصحابة ،وكانت تغزو كثيراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتمرض المرضى وتداوي
الجرحى ،وشهدت غسل ابنة النبي صلى الله عليه وسلم ،وكان جماعة من الصحابة وعلماء
التابعين بالبصرة يأخذون عنها غسل الميت ،وروت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن
عمر رضي الله عنه أربعين حديثاً.3
- سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب ،وهي سيدة جليلة ذات نبل ومقام رفيع
،كانت تجالس الأجلة من قريش ويجتمع إليها الشعراء والأدباء فيحتكمون إليها فيما
أنتجته قرائحهم فتبين لهم الغث من السمين ،وتناقش المخطئ مناقشة علمية فيقنع بخطأه
،ويقر لها بالفضل وقوة الحجة وسعة الاطلاع .4
- موفقية بنت أحمد بن عبد الوهاب : محدثة ولدت سنة 636هـ ،وأخذ عنها ابن
سيد الناس ، والعز بن جماعة والسبكي ،وابن الفخر ،وعبد الله بن محمد بن عبد الملك
المقدسي،وقرأ عليها محمد الواني الجزء الأول من حديث قُتيبة بن سعيد بسماعها من
علم الدين علي الصابوني ،وسمع عليها الواني من حديث علي بن محمد بن بشران المعدل
بسماعها من الحسن بن إبراهيم بن دينار وأجازت له،وتوفيت سنة 712هـ5
- ست الكل بنت أحمد بن محمد القسطلانية المكية،خرَّج لها الحافظ الأقفهسي
جزءاً ،وحدَّثت وسمع منها بمكة التقي الفاسي وابن حجر ،وتوفيت بمكة سنة 803هـ . [
المرجع السابق ،ج2 ،ص 166 نقلاً عن الضوء اللامع للسخاوي ،وشذرات الذهب لابن
العماد]
- أمة الخالق بنت عبد اللطيف القاهري ،شيخة صالحة وكاتبة فاضلة ،وأجازت للسخاوي
،وتوفيت سنة 833 هـ. [ المرجع السابق /ج1 ،ص83،84،نقلاً عن الضوء اللامع للسخاوي
].
- أم أحمد المُرسية ،وهي محدثة سمعت على ابن سلامة ،وأجازت للسخاوي ،وتوفيت
سنة 850هـ . [ المرجع السابق ،ج1 ،ص 23 ،نقلاً عن التبر المسبوك للسخاوي]
- آمنة بنت محمد الرشيدي القاهري ،محدثة ذات بر وإحسان ،أجاز لها أبو هريرة
بن الذهبي ،وأبو الخير بن العلائي وآخرون ،وحدثت باليسير وأخذ عنها بعض الطلبة
،وأجازت للسخاوي ،وتوفيت سنة 867هـ . [ المرجع السابق ،ج1 ،ص 17 عن الضوء اللامع
للسخاوي ]
- آسية بنت جار الله الطبري ،محدثة ولدت بمكة سنة 796هـ أخذ عنها الإمام
السيوطي ،وأجازت للسخاوي ،توفيت بمكة سنة 873هـ . [ المرجع السابق ،ج1 ،ص 6 ،نقلاً
عن الضوء اللامع للسخاوي]
وقد مارست المرأة هذا الحقوق امتثالاً لقوله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات
بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)
7- ممارستها لحق المشاركة في غنائم الحروب لمشاركتها في القتال ،وقيامها
بمداواة الجرحى ،وسقيا هم ،فهاهي نسيبة بنت كعب " أم عمارة" رضي الله
عنها كانت في غزوة أحد في أول النهار ،ولما انهزم المسلمون انحازت إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم بالسيف ،وأخذت ترمي بالقوس ،وتقاتل أشد القتال ،وهي حاجزة
ثوبها على وسطها حتى جرحت ثلاثة عشر جرحاً أبلغها جرحاً في عاتقها ،وظلّت تداوي
هذا الجرح عاماً كاملاً ،وتمضي الأيام ،وتظل الفدائية التي تخدم الإسلام بكل ما
تستطيع في الحرب والسلام ،فشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان في
الحديبية ،وهي بيعة المعاهدة على الشهادة في سبيل الله ،كما شهدت يوم حنين،وفي
حروب الردة استأذنت من سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه الالتحاق بالجيش ،فقال
لها أبو بكر رضي الله عنه : لقد عرفنا بلاءك في الحرب فاخرجي على اسم الله ،فخرجت
ومعها ابنها حبيب ابن زيد بن عاصم ،وأبلت في هذه المعركة بلاءً حسناً ،وتعرضت إلى
كثير من المخاطر ،وهي ثابتة مقدامة ،وكانت تتمنى الشهادة ،وأسر مسيلمة الكذاب
ابنها وعذبه حتى مات ،وخرجت أم عمارة مع ابنها عبد الله إلى معركة اليمامة ،وكانت
معركة قاسية أظهرت فيها من الفدائية ما يذهل أعظم الرجال ،وكانت حريصة على أن تقتل
مسيلمة بيدها ثأراً لابنها الحبيب ،ولكن تمكَّن منه ابنها عبد الله مع وحشي بن حرب
،وخرجت أم عمارة من المعركة باثني عشر جرحاً بعد أن فقدت ذراعها ،وفقدت ابنها
الآخر عبد الله ،وجاء أبو بكر رضي الله عنه لزيارتها ،وقال عن ذراعها الذي فقدته
بأنه قد سبقها إلى الجنة .
8- حصولها على كامل حقوقها في الميراث ،ولم يؤثر أنَّ امرأة حُرمت من هذا
الحق الذي حرمت منه المرأة قبل الإسلام ،حيثُ كانت تورث ولا تُورث .
9 - ممارستها لحقها في الأهلية الحقوقية المالية: فالمرأة المسلمة لها الحق
مثلها مثل الرجل في الشراء والبيع والقرض والإقراض والرهن والإعارة ،والوقف ،ولها
التصرف في مالها كما تشاء بدون إذن وليها مادامت بالغة رشيد،فلا وصاية لأحد عليها
،فهي كاملة الأهلية.
10- ممارستها لحق إجارة المحارب: وكلنا يعرف قصة أم هانئ أخت على بن أبي
طالب لرضي الله عنهما التي أجارت محارباً يوم فتح مكة ،وأرد أخوها علي بن أبي طالب
كرَّم الله وجهه قتله ،فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وقالت له : هذا
ابن أبي وأمي يريد قتل من أجرته ،فسألها عمن أجارت ،وسمته له ،فقال لها عليه
الصلاة والسلام : (أجرنا من أجرت يا أم هانئ)،,لم تُخفر إجارة امرأة ،ويقابل
الإجارة في عصرنا الحالي ما يُسمى بحق اللجوء السياسي.
11- حقها في الترفيه عن نفسها:
في الاحتفالات بالأعياد كانت النساء ـ حتى الصبايا اللواتي لم يبلغن الحلم
يشاركن الرجال في هذه الاحتفالات ..بل وحتى الحُيَّض كن يشاركن في الاحتفال دون أن
يشاركن في صلاة العيد ، وكذلك ربَّات الخدور .. وفي هذه المشاركات ـ التي أمر بها
الرسول صلى الله عليه وسلم ـ تروي أم عطية ـ فيما رواه البخاري ـ فتقول : ( أمرنا
نبينا صلى الله عليه وسلم أن نُخرج العواتق [ من بلغت الحُلم واستحقت التزويج]
وذوات الخدور والحُيّض وليشهدن الخير وجماعة المسلمين ودعوة المؤمنين ،ويعتزل
الحُيّض المصلى )..وعنها فيما رواه البخاري : ( كنا نؤمر أن نَخرج يوم العيد ،حتى
تُخرج البكر من خِدرها .. بل وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو من لديها فضل
ثياب أن تعيره لمن لا ثياب لديها كي تشارك في الاحتفال العام بالعيد .. ولقد سألت
أم عطية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما جاء بالصحيحين-:
- يا رسول الله أعلى إحدانا بأس إذا لم يكن لها جلباب أن لا تخرج ؟ فقال :
( لتُلْبِسْها صاحبتها من جلبابها).
- وفي الاحتفالات بالانتصارات والفتوحات ،كانت النساء يخرجن - حتى الصبايا
منهن - للمشاركة في الاحتفالات ..حدث ذلك - كما يروي ابن عباس - في صحيح مسلم- يوم
فتح مكة " عندما كثر الناس على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهم يقولون :
هذا محمد ،هذا محمد .. حتى خرج العواتق من البيوت..
- بل وشاهدت المرأة المباريات والألعاب الفنية وإنشاد الأهازيج ..وأين ..في
مسجد النبوة! .. فعن عائشة رضي الله عنها قالت فيما رواه البخاري ومسلم ـ : "
كان يوم عيد يلعب فيه السودان بالدَّرق [ جمع درقة : الترس المصنوع من الجلد]
فإمّا سألتُ النبي صلى الله عليه وسلم ،وإمّا قال :
- تشتهين تنظرين؟
- قلتُ : نعم . فأقامني وراءه ،خدي على خده ،وهو يقول : دونكم بنى أرفدة [
إغراء وتشجيع للأحباش اللاعبين] ..حتى إذا مللتُ ،قال : حسبك ؟ قلت : نعم..6
- وفي منازل الصحابة ،كانت نساؤهم يخدمن الرجال في الولائم والأعراس .. وفي
البخاري ومسلم : لما عرَّس أبو أسيد الساعدي دعا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ
وأصحابه ،فما صنع لهم طعاماً ولا قرب إليهم إلاَّ امرأته أم أسيد ..فكانت خادمتهم
يومئذ ،وهي العروس .بلَّت تمرات في تَوْر ( إناء) من حجارة من الليل ،فلما فرغ
النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الطعام أماثَتْهُ [ أذابته ] له فسقته ،تُتْحفُه
[ تخصه] بذلك" فالعروس تولم للمدعوين إلى عرسها ..وتقوم على خدمتهم ،وفيهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم.7
هذه أهم الحقوق التي مارستها المرأة المسلمة في عصر الرسالة ،وما تلاه من
عصور،وكان لهذا أثره في نهوض الأمة الإسلامية ،وما بلغته من مكانة سامية ،فالمجتمع
الإسلامي في عصر الرسالة على وجه الخصوص ،لم يكن أحادياً قاصراً على الذكور
،مهمشاً النساء ،كما هي حال مجتمعنا الآن،بل كانت المرأة مشاركة بصورة فعالة في
جميع المجالات .
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن أين المرأة المسلمة من هذه الحقوق؟
هل المرأة المسلمة حصلت على كل هذه الحقوق ومارستها بالفعل؟
واقع المرأة المسلمة
بعد عرضي لحقوق المرأة في الإسلام ،وبيان مدى تمتعها بهذه الحقوق ،وإسهامها
في المشاركة في الحياة العامة توقفتُ في الحلقة الماضية عند سؤاليْن في غاية الأهمية
،وهما :
- أين المرأة المسلمة من هذه الحقوق؟
- هل المرأة المسلمة حصلت على كل هذه الحقوق ومارستها بالفعل؟
لو نظرنا إلى واقع المرأة المسلمة المعاصر في مجتمعاتنا الإسلامية يجد أننا
في ردة عن الإسلام فيما يختص بحقوق المرأة بنسب متفاوتة،أجل نحن في ردة عن الإسلام
،وقام الكثير ممن بيده إعطاء هذه الحقوق تعطيل نصوص قرآنية وحديثية قطعية الدلالة
تمنح المرأة هذه الحقوق معطياً للأهواء والأعراف والعادات والتقاليد الأولية على
النصوص الشرعية ،ولو حصلت المرأة المسلمة على كامل حقوقها كما في الإسلام،ونُظر
للمرأة نظرة الإسلام لها ،لما وصلنا إلى هذه الحال التي نحن عليها الآن،فالمرأة هي
القاعدة التي يرتكز عليها صلاح كل مجتمع ،فإذا صلحت صلح المجتمع،وإذا فسدت فسد
المجتمع ،ومن هنا بدأتُ بالحديث عن الإصلاح ،بالإصلاح الاجتماعي الذي تشكل المرأة
محوره الأساسي ،وصلاحها ليس بحبسها في بيتها ،وحرمانها من حقوقها سداً للذرائع
الذي لا يطبق إلاَّ عليها فهي في نظر الكثير ،ولاسيما في مجتمعنا السعودي محط شهوة
،ومنبع كل فتنة ،ولا يُحمى المجتمع منها إلاَّ بحبسها في بيتها حتى الموت،هذا من
جهة ومن جهة أخرى كثير من الرجال في مجتمعنا،وفي مجتمعات إسلامية أخرى فهموا
القوامة فهماً خاطئاً ،وأعطوها معنى السيادة والاستعباد والاسترقاق متأثرين بما
ساد من مفاهيم خاطئة في "عصور التراجع الحضاري للأمة الإسلامية ـإذ أدخلت إلى
المجتمع الإسلامي شعوباً لم يُهذِّب الإسلام عاداتها الجاهلية ـ في النظر إلى المرأة
والعلاقة بها ،وقد أصاب النموذج الإسلامي بتراجعات وتشوهات أشاعت تلك العادات
والتقاليد الجاهلية في المجتمعات الإسلامية من جديد ،
فنُظر للمرأة نظرة دونية ،وأنَّها ناقصة عقل ،فأساءوا فهم حديث ناقصات عقل
ودين ،واعتبروا المرأة ناقصة عقل ،وتعاملوا معها على هذا الأساس ،ولو رجعنا إلى
مناسبة الحديث نجد أنَّه كانت بمناسبة عيد فطر أو أضحى ،وقد روى البخاري ومسلم عن
أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ،فقال : (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ في
أضحى أو فطر ـ إلى المصلى فمرَّ على النساء ،فقال : (يا معشر النساء ،ما رأيتُ من
ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكنَّ)
- قلن: وما نقصان عقلنا يا رسول الله؟
- قال: (أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل ؟)
- قلن : بلى.
- قال: فذلك من نقصان عقلها . أليس إذا حاضت لم تصلِّ ،ولم تصم ؟
- قال: (فذلك من نقصان دينها)
هذا الحديث الذي فًسِّر تفسيراً مغلوطاً خاطئاً ليوافق تلك العادات
والتقاليد التي تنقص من أهلية المرأة ،وألبسوه لباساً شرعياً ، وحكموا به على
المرأة بأنَّها قاصر ناقصة الأهلية على الدوام ،واستغله الغلاة المتشددين لحرمان
المرأة ممَّا لها من حقوق ،ولو تمعنَّ كل منصف متن الحديث ومضمونه ومناسبته يجد
الآتي :
1- في رواية الحديث شك من الراوي حول مناسبة قوله هل كان ذلك في عيد الفطر
،أم في عيد الأضحى ،وهو شك لا يمكن إغفاله ـ كما قال الدكتور محمد عمارة ـ عند وزن
المرويات والمأثورات.
2- إنَّ الحديث يخاطب حالة خاصة من النساء ،ولا يُشرِّع شريعة دائمة ،ولا
عامة في مطلق النساء ..فهو يتحدث عن "واقع" ..والحديث عن الواقع القابل
للتغير والتطور ـ والتشريع "للثوابت " عبادات وقيماً ومعاملات ـ شيء
آخر.8 فعندما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " إنَّا أمة أمية ،لا نكتب
ولا نحسب " رواه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود ،والإمام أحمد ـ فهو يصف
واقعاَ ،ولا يُشرِّع لتأبيد الجهل بالكتابة والحساب ،لأنَّ القرآن الكريم قد بدأ
بفريضة "القراءة " ( إقرأ باسم ربِّك الذي خلق .خلق الإنسان من علق .
إقرأ وربك الكرم الذي علَّم بالقلم .علَّم الإنسان مالم يعلم.) والرسول صلى الله
عليه وسلم الذي وصف واقع الأمية الكتابية والحسابية هو الذي غيَّره بالامتثال لأمر
الله بتحويل الجهلاء الأميين إلى قراء وعلماء وفقهاء.9
3- أنَّ في بعض روايات هذا الحديث ـ كما يوضح الدكتور محمد عمارة ـ وخاصة
في رواية ابن عباس رضي الله عنهما ما يقطع بأنّ المقصود به إنَّما هي حالات خاصة
لنساء لهن صفات خاصة ،هي التي جعلت منهن أكثر أهل النار لا لأنَّهن نساء ،وإنَّما
لأنَّهن ـ كما تنص وتعلل هذه الرواية ـ "يكفرن العشير"، ولو أحسن هذا
العشير إلى إحداهن الدهر كله ،ثُمَّ رأت منه هِنَةً أو شيئاً لا يعجبها ،كفرت بكل
النعم التي أنعم الله بها عليها ،وقالت بسبب النزق أو الحُمق ،أو غلبة العاطفة
التي تنسيها ما قدمه لها هذا العشير من إحسان : " ما رأيتُ منك خيراً
قط" ! رواه البخاري ومسلم والنسائي ومالك في الموطأ.فهذا الحديث يصف حالة
بعينها ،وخاص بهذه الحالة ،وليس تشريعاً عاماً ودائماً لجنس النساء.
4- أنَّ مناسبة الحديث ترشح ألفاظه وأوصافه لأن يكون المقصود من ورائها
المدح وليس الذم .. فالذين يعرفون خلق من صنعه الله على عينه حتى جعله صاحب الخلق
العظيم ( وإنَّك لعلى خلق عظيم) ،فكيف بصاحب على هذا الخلق الكريم الذي جعل من
العيد فرحة يستمتع بها مع الرجال النساء ،وحتى الصغيرات ،بل وحتى الحُيَّض
والنفساء الذي حث على الرفق بالقوارير ،وأوصى بالنساء خيراً وهو في فراش المرض
يودع هذه الدنيا يختار يوم الزينة والفرحة ليجابه كل النساء وطلق النساء بالذم
والتقريع والحكم المؤبد عليهن بنقصان الأهلية لنقصانهن في العقل والدين؟؟
5- ومادامت مناسبة الحديث ـ يوم العيد والزينة والفرحة لا ترشح أن يكون
الذم والغم والحزن والتبكيت هو المقصود .. فإنَّ ألفاظ الحديث تشهد على أنَّ
المقصود إنَّما كان المديح الذي يستخدم وصف الواقع الذي تشترك في التحلي بصفاته
غالبية النساء إن لم يكن كل النساء ،فالحديث يشير إلى غلبة العاطفة والرقة على
المرأة ،وهي عاطفة ورِّقة صارت " سلاحاً" تغلب به هذه المرأة أشد الرجال
حزماً وشدة وعقلاً ..وإذا كانت غلبة العاطفة إنَّما تعني تفوقها على الحسابات
العقلية المجردة والجامدة ،فإنَّنا نكون أمام عملة ذات وجهيْن ،تمثلها المرأة ..
فعندما المرأة تغلب العاطفة على العقلانية ـ وذلك على عكس الرجل الذي تغلب
عقلانيته وحساباته العقلانية عواطفه ،وفي هذا التمايز فطرة إلهية ،وحكمة بالغة
،ليكون عطاء المرأة في ميادين العاطفة بلا حدود ولا حسابات ..وليكون عطاء الرجل في
مجالات العقلانية المجردة والجامدة مكملاً لما نقص عند الشق اللطيف والرقيق ، فنقص
العقل ـ الذي أشارت إليه كلمات الحديث النبوي الشريف ـ هو وصف لواقع تتزين به
المرأة السوية وتفخر به ـ لأنَّه يعني غلبة عاطفتها على عقلانيتها المجردة ..لذلك
كانت مداعبة صاحب الخلق العظيم ـ الذي أتاه ربه جوامع الكلم ـ للنساء في يوم
الفرحة والزينة ،عندما قال لهنَّ : إنَّهن يغلبن بسلاح العاطفة وسلطان الاستضعاف
أهل الحزم والألباب من عقلاء الرجال ،ويخترقن بالعواطف الرقيقة أمنع الحصون!10
6- فقوله صلى الله عليه وسلم ( ما رأيتُ من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل
الحازم من إحداكن ) فهو مدح للعاطفة الرقيقة التي تذهب بحزم ذوي العقول والألباب
.. ويا بؤس وشقاء المرأة التي حُرمت من شرف امتلاك هذا السلاح الذي فطر الله
النساء عليه !
7- وإذا كان هذا هو المعنى المناسب واللائق بالقائل والمخاطَب وبالمناسبة
،وأيضاً المحبب لكل النساء والرجال معاً الذي قصدت إليه ألفاظ "نقص
العقل" في الحديث النبوي الشريف .. فإنَّ المراد "بنقص الدين" ـ هو
الآخر ـ وصف الواقع غير المذموم ـ بل إنَّه الواقع المحمود والممدوح.
8- فعندما سألت النسوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ،عن المقصود من نقصهن
في الدين ،تحدث عن اختصاصهن "برخص في العبادات تزيد على "الرخص "
التي يُشاركن فيها الرجال ..فالنساء يُشاركن الرجال في كل الرخص التي رخَّص فيها
الشارع ـ من إفطار الصائم في المرض والسفر ..إلى قصر الصلاة وجمعها في السفر ..
إلى إباحة المحرمات عند الضرورات ..إلخ ،ثُمَّ يزدن على الرجال في "رخص"
خاصة بهن ،مثل سقوط فرائض الصلاة والصوم عن الحُيَّض والنفساء ..وإفطار الحامل ،إن
كان الصيام يشكل خطورة عليها وعلى الجنين ،وكذلك إفطار المرضع عند الحاجة في شهر
رمضان .. إلخ..
9- وإذا كان الله سبحانه وتعالى يحب أن تُؤتى رخصه ،كما يحب أن تؤتى عزائمه
،فإنَّ التزام النساء بهذه الرخص الشرعية هو الواجب المطلوب والمحمود ،وفيه لهن
الأجر والثواب .. ولا يمكن أن يكون بالأمر المرذول والمذموم ..ووصف واقعه ـ في هذا
الحديث النبوي ـ مثله كمثل وصف الحديث لغلبة العاطفة الرقيقة الفياضة على
العقلانية الجامدة ،عند النساء ،هو وصف لواقع محمود ..ولا يمكن أن يكون ذماً
للنساء ،ينتقص من أهلية المرأة ومساواتها للرجال بأية حال من الأحوال.11
10- ويؤيد هذا أنَّ العقل في الإسلام مناط التكليف ،فنظر إلى المرأة على أنَّها
كاملة الأهلية ،وتعامل معها على هذا الأساس ،فساوى بينها وبين الرجل في الحدود
والقصاص ،وسائر العقوبات ،كما ساوى بينهما في الأجر والثواب،كما ساوى بينهما في
الفرائض والعبادات التي تسقط عن ناقصي الأهلية ..الطفل والمعتوه والمجنون..ولم
يسقط عن المرأة أي حد ،أو عقوبة أو قصاص لأنوثتها.ونجد الإسلام أعطى للمرأة حق
رواية الحديث مثل الرجل تماماً ،كما ائتمنها على دستور الأمة "،وأعطاها حق
الولاية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،كما أعطاها حق المشاركة في القتال
،وحق إجارة المحارب ،وأعطاها حق الأهلية الحقوقية المالية التي تسقط عن القاصر
الذي لم يكتمل نضج عقله والمعتوه والمجنون اللذان يعانيان من نقص في عقليهما،فكيف
بعد كل هذا يُنظر إلى المرأة على أنَّها ناقصة الأهلية ؟
وإن قيل إنَّ شهادة امرأتين برجل واحد ،وأقول هذه في البيوع لتوثيقها ،وليس
في مقام الشهادة التي يقضي بها القاضي ويحكم ،يقول تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا
إذا تداينتم بِديْنٍ إلى أجلٍ مُسَّمى فاكتبوه وليكتُبْ بينكم كاتبٌ بالعدلِ ولا
يأب كاتبٌ أنْ يكتبَ كما علَّمَهُ اللهُ ) إلى قوله تعالى : ( واسْتَشْهِدُوا
شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فإنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْن فَرَجُلٌ وامْرَأَتَان
مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذّكِّرَ
إِحَدَاهُمَا الأُخْرى) ،,ليس معنى هذا أنَّ شهادة المرأة الواحدة ،أو شهادة
النساء اللواتي ليس معهن رجل ، لا يثبت بها الحق ،ولا يحكم بها القاضي ،فإنَّ أقصى
ما يطلبه القضاء هو البيِّنة،وقد حقق ابن القيِّم أنَّ البيِّنة في الشرع أعم من
الشهادة،واعتبار المرأتيْن في الاستيثاق كالرجل الواحد ليس لضعف عقلها ،الذي يتبع
نقص إنسانيتها ،ويكون أثراً له12، وإنَّما يرجع لعدم ممارسة المرأة التجارة وعقود
البيع ،وانشغالها بالتفكير في بيتها وأولادها ،وهي خارج بيتها يعرضها لنسيان بعض
ما يُراد توثيقه ،لذا كانت شهادة الامرأتيْن بحضورهما معاً ،وليس كل واحدة على حدة
،وممَّا يؤكد على شهادة امرأتين برجل واحد في البيوع لذاك السبب مساواة المرأة
بالرجل في شهادات اللعان ،بأربع شهداء من الرجال أو النساء ،بل نجد الشرع اكتفى
بشهادة امرأة واحدة في الأمور المختصة بالنساء كإثبات البكورة وغيرها،ولم يكتف
بشهادة رجل واحد في الأمور المختص بها الرجال ،كل هذا يؤكد على كمال أهلية المرأة
،بل الذي يؤكدها رواية المرأة للحديث التي تعد شهادة على رسول الله صلى الله عليه
وسلم ،وإذا كان ذلك ممَّا أجمعت عليه الأمة ،ومارسته راويات الحديث النبوي جيلاً
بعد جيل ـ والرواية شهادة ـ فكيف تقبل الشهادة من امرأة على رسول صلى الله عليه
وسلم ،وعلى شرع الله ،ولا تُقبل على واحد من النَّاس؟؟ إنَّ المرأة العدل ـ كما
يقول ابن القيم ـ كالرجل في الصدق والأمانة والديانة .13
ولستُ أدري كيف غابت كل هذه الحقائق عن هؤلاء الغلاة المتشددين الذين حكموا
على المرأة بنقصان أهليتها لفهمهم القاصر لما جاء في الحديث عن نقصان عقول النساء؟
ولم يكتفوا بهذا ؛إذ نجد أنَّهم فسَّروا كلمة "عوان" التي وصف
الرسول صلى الله عليه وسلم بها النساء في خطبة حجة الوداع ،والتي تعني في لسان
العرب : "النصف والوسط" أي الخيار .. وتعني ذات المعنى في موسوعات
مصطلحات الفنون .. بأنَّ المرأة أسيرة لدى الرجال ،وأنَّ النساء أسرى عند الرجال
..وأنَّ القوامة هي لون من " القهر" لأولئك النساء الأسيرات !! ..،وقد
عبَّر الإمام ابن القيِّم في أعلام الموقعين عن واقع عصره "العصر
المملوكي" بقوله : " إنَّ السيد قاهر لمملوكه ،حاكم عليه ، مالك له ،
والزوج قاهر لزوجته ، حاكم عليها ،,هي تحت سلطانه وحكمه شبه الأسير" 14،بل
نجد بعض الفقهاء في عصور الجمود يعرِّفون عقد النكاح بأنّه ( عقد تمليك بضع
الزوجة) ،وهو يخالف قوله تعالى : ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً
لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ) ،وقوله تعالى : ( هن لباس لكم وأنتم لباس
لهن) ،وقوله تعالى : ( ولهنَّ مثل الذي عليهن بالمعروف )
ولم يكتفوا بممارسة هذا المفهوم داخل بيوتهم في نطاق أسرهم ،بل نجدهم
يريدون تعميم القوامة على كل النساء ،وباعتبارهم هم القوَّامون فليس من حق المرأة
أن تعارضهم ،أو أن تماثلهم في تولي مركز قيادي ؛لذا نجدهم يحولون دون حصولها على
أي حق لها منحه الإسلام لها بتأويل النصوص وفق الأهواء والأعراف والعادات
والتقاليد،أو تطبيقاً لسد الذرائع،وسد الذرائع لا يطبق إلاَّ على المرأة!
لذا ما من مطلب شرعي للمرأة في أي بلد إسلامي إلاَّ ويواجه بحملات شديدة من
الاعتراض من قبل البعض معطلين النصوص الشرعية ومبطليها بشأن المرأة ليثبتوا أنَّ
هذه المطالب مخالفة للشرع ،وفيها مفسدة وشر كبير للمجتمع،وهذا للأسف من رواسب
التراجع الحضاري لأمتنا!
لذا نجد المرأة المسلمة حُرمت من حقوقها في الإسلام في المجتمعات الإسلامية
بنسب متفاوتة ،فحرمت من حق التعليم قرون عديدة في جميع هذه المجتمعات ،ولا تزال
نسبة الأمية بين النساء تفوق نسبة الرجال ،كما حُرمت المرأة من حقها في الميراث في
بعض المناطق في بعض الدول الإسلامية ومن هذه المناطق مناطق في جنوب المملكة
العربية السعودية ،وفي صعيد مصر ،وحتى وقت قريب في مناطق في غرب السودان ـكما ذكرت
المحامية السودانية الأستاذة عزيزة عصمت حسنين في برنامج للنساء فقط15 ـ ،بل هناك
بعض القبائل السودانية في جنوب السودان الرجل العاقر يحضر لزوجته أحد أشقائه أو
أقاربه لتبيت معه إلى أن يتم الحمل ،وينسب وتقوم بالحمل منه لفترة معينة ويُنسب
الطفل له للزوج. أيضاً هنالك قبائل في شرق السودان أو قبيلة تدعى القوز أو الجوز،
هذه القبيلة مهر الزوجة فيها هو أخت الزوج يقدم أخته هذه مهراً للزوجة لكي يتزوجها
أخيها، وهو زواج الشغار أو زواج البدل ما يعرف بزواج البدل، وهو زواج مخالف
للشريعة الإسلامية، رغم إن هذه القبائل أيضاً مسلمة..!!!
كما حرمت المرأة المسلمة من حق الولاية على أموالها ،بل حرمت من حق الولاية
على نفسها ،وكانت تزوج بدون موافقتها ورضاها ،ولا يزال بعض أولياء يزوجون بناتهم
وأخواتهم دون رضاهن ،كما حُرمت المرأة في بعض المجتمعات العربية والإسلامية من حق
البيعة والانتخاب، وعضوية مجالس الشورى ،وحق الولاية في الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر ،وحق توليها مناصب قيادية ،كما حُرمت من حق الإفتاء .
واقع المرأة السعودية
وبمقارنة أخرى بين واقع المرأة في العهدين النبوي والراشدي ،وبين واقع
المرأة السعودية بصورة خاصة التي تعيش في ذات الموقع الجغرافي الذي عاشت فيه
الصحابيات الجليلات والتابعيات رضوان الله عليهن ،وتنتمي لذات العروق والأصول
الجنسية التي تنتمي لها الصحابيات الجليلات نجد أنَّ المرأة السعودية محرومة من
كثير من تلك الحقوق بحكم الأعراف والعادات والتقاليد من جهة ،ولرغبة بعض الرجال أن
تكون لهم السيادة عليها في كل شيء ،وحصولها على ما أعطاه الإسلام لها يحرمهم من
تلك السيادة ،لذا يجعلون الأولوية للأعراف والعادات والتقاليد التي تعطيهم حق
السيادة ، كما يريدون، وسأوضح هذا :
حرمانها من حق التعليم:
عانت المرأة في مجتمعنا السعودي ،وسائر المجتمعات الإسلامية من الجهل ،إذ
حُرمت من حق التعليم ،ولا تزال حتى الآن تشكل المرأة أكبر نسبة في الأمية.
- حرمانها حق الإرث والأهلية الحقوقية المالية :
بعض الرجال في مجتمعنا يريدون الاستئثار بكل المال ،ولا يريدون المرأة تملك
مالاً ،ويستكثرون عليها ملكيتها لأي مال ،فيتعاملون معها على أنَّها ناقصة الأهلية
،ويفرضون على المجتمع والدولة التعامل معها بهذه الكيفية ،باعتبار الرجل هو صاحب
القرار في إعطاء المرأة أي حق أو منعه عنها ،فالمرأة لا تستطيع نيل أي حق إلاَّ
بموافقة الرجل ،وأحياناً يستصدرون قرارات وأنظمة تؤيد ما يريدونه، وسأوضح هذا في
الآتي:
- في بعض المناطق الجنوبية من المملكة العربية السعودية أراد الإخوة الذكور
أن يستفردوا بالميراث ،وحرمان أخواتهم الإناث منه بدعوى عدم خروج المال عن نطاق
الأسرة بدخول أجنبي فيه أي زوج الأخت،فبعد وفاة الأب يجمع الإخوة الذكور أخواتهم
البنات ،ويعطونهنَّ ترضية مالية مقابل تنازلهن عن حقوقهن الشرعية في الميراث ،وقد
تبلغ الحمية الأزواج فيرفضون هذه الترضية ،ونجد هؤلاء الإخوة وبعد وفاتهم يرثنهم
زوجاتهم ،فالمال هنا خرج عن نطاق الأسرة ، وذهب لأجنبية هي الزوجة،فزوجة ابن
المتوفى يكون لها نصيب في الميراث بينما الابنة تُحرم منه ،وللأسف الشديد رغم
مخالفة هذا لشرع الله ،وفيه ضياع للحقوق إلاَّ أنَّنا نجد علماء الدين يسكتون عن
هذا الظلم ،وحجتهم أنّ الابنة تنازلت عن حقها ،وهي حرة في مالها تتنازل عنه متى
أرادت ،ولا نستطيع إعطاءها حقها إلاَّ إذا رجعت إلى القضاء،مع أنَّهم يدركون تمام
الإدراك أنَّها لم تتنازل عنه بمحض إرادتها،وإنَّما تنازلت عنه تحت ضغوط اجتماعية
قاسية لا ترحم ،فإذا لم تتنازل ،ولجأت إلى القضاء ستعد متمردة خارجة عن الأعراف
والتقاليد ،وسيقاطعها إخوتها الذكور ،وسينظر لها نظرة ازدراء من قبل أسرتها ومحيطها
الاجتماعي ،فتتنازل مضطرة .
وهذه المأساة يمكن علاجها بكل بساطة ،وهي عن طريق المحكمة وكاتب عدل
،فالمعروف أنَّ الميراث لا يوزع على الورثة بالأنصبة المشروعة إلاَّ بعد استخراج
صك وراثة من المحكمة ،وبالتالي يصدر قراراً بأنَّ الورثة لا توزع إلاَّ بحضور كاتب
عدل وفق صك الوراثة،ويكون جميعهم حاضراً ،ويحصل كل وارث على صك من المحكمة بتحديد
نصيبه،وبالتالي لا يستطيع الاخوة الذكور حرمان أخواتهم البنات من ميراث أبيهن
.أيضاً لابد من التوعية الدينية في هذه المناطق ،وبيان عظم الذنب الذي يقترفه من
يحرم أخته أو ابنته أو زوجه من الميراث.
ولا يقتصر الأمر عند هذا ،بل نجد هناك أسراً في المنطقة الوسطى لا تجيز
للمرأة أن تشتري عقاراً باسمها ،فمن العيب أن يُقال هذا ملك فلانة ،لذا تُلزم بأن
تكتبه باسم وكيلها الشرعي،وقد يستولي على هذا العقار ،وينكر حقها فيه ،إذ لا توجد
وثيقة رسمية تثبت هذا الحق ،وهذا ا ينقلنا إلى قضية الوكيل ،فالمرأة عندنا لا
تستطيع مباشرة أموالها وأعمالها بنفسها ،ولابد أن يكون لها وكيل هو الذي يتولى هذه
الأمور ،والوكيل قد يكون الأب أو الأخ أو الزوج ،وبالتالي يتحكم في مالها ،ويصبح
هو صاحب المال لا هي ،وهو يتصرف فيه كما يشاء ،وقد يصرف على الأسرة والبيت من
مالها إن كان زوجاًُ ،وهو أمام الجميع هو الذي يتولى النفقة على زوجه وأولاده من
ماله هو ،ولا تستطيع الزوجة أن تتكلم ،وإلاَّ أصيبت العلاقة الزوجية بشرخ كبير
،وإذا كان الأخ هو الوكيل ،فهو أمام المجتمع ولي الأمر المكلف بالإنفاق على
أخته،وله حق القوامة عليها،فلا يحق لها عمل أي شيء إلاَّ بإذنه،ولكنه في الحقيقة
هو المستولي على أموال أخته ،والمتصرف فيه كما يشاء ،يعطيها ما يعيشها المعيشة
التي يحددها هو لها ليظفر بالباقي لنفسه زاعماً أنَّه يعطيها حقها بالعدل
والقسطاط،وإن طالبته بكامل حقها يجن جنونه ،ويتهمها بالسفه والإسراف ،ويصبَّ عليها
جمَّ غضبه،ويقاطعها ،وتقف الأسرة إلى جانبه لأنَّه الرجل،وإن لجأت إلى القاضي
فسيقف القاضي إلى جانبه باعتباره الرجل ،وأنَّ المرأة ناقصة عقل ،وأنَّ الرجل على
حق ،والمرأة على خطأ ،حدَّثتني إحدى الصديقات عن موقف أحد قضاتنا من المرأة ،من
خلال قضية طلاق رفعتها أختها الطبيبة على زوجها لأنَّه يسيء إليها ،وقد تزوج عليها
بزوجة أخرى وأسكن زوجه الثانية في البيت الذي بنته الزوجة الأولى من مالها ،فكانت
أختها تتحدث إلى القاضي ،ولكن القاضي لا يعيرها اهتماماً ،وكأنَّها تتحدث مع نفسها
،فكيف سينصفها هذا القاضي؟وهناك من القضاة يرفضون التحدث إلى النساء ،فقد اتصلتُ
هاتفياً بمنزل أحد القضاة لأستشيره في مسألة شرعية ،ورَّدت عليَّ زوجه ،وعرَّفتها
بنفسي ،وطلبتُ أن أتحدث إلى فضيلة القاضي لأعرض عليه مسألة شرعية ،فراحت ،وعادت
قائلة لي: يقول إنَّه لا يتحدث إلى نساء!
وإنَّني أتساءل المرأة التي سمع الله قول التي تجادل رسول الله في زوجها
،وشكت إلى الله ،وأنزل قوله تعالى: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي
إلى الله..)
والرسول صلى الله عليه وسلم الذي استمع إلى النساء ،وما أكثر الأحاديث
النبوية التي تبيِّن هذا؟كما كانت أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية رضي الله
عنها وافدة النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للمطالبة بحقوق من خلفها من
نساء المؤمنين،وقد روت عن الرسول صلى الله عليه وسلم ثمانين حديثاً، فعلى أي أساس
شرعي يرفض قاض سماع شكوى امرأة؟
وهل هناك قاضية تسمع شكاوى النساء أم تترك النساء مقهورات ،وحقوقهن ضائعة
لأنَّهنَّ نساء ؟
وإن قلنا من حق المرأة تولي القضاء هاج الرجال وماجوا واعترضوا ،وحرَّموا
عليها شرعاً هذا الحق الذي من حقها مثلما أقرَّ به كثير من فقهاء الأمة قدامى
ومعاصرين.
نعود إلى الوكلاء من ولاة الأمور ، فقد يساوم موكلته ،فلا يستخرج لها بطاقة
شخصية ،أو لا يسمح لها بالسفر خارج المملكة إلاَّ إذا تنازلت له عن مالها عنده من
حقوق ،بل هناك من الأزواج من يساوم زوجه الموظفة بأنَّه لا يسمح لها بالسفر مع
أولادها خارج المملكة إلاّ إذا أعطته مبلغاً من المال يحدده هو.فالنظام عندنا
يُحرَّم على المرأة البالغة الرشيد أياً كان عمرها أن تستخرج بطاقة إلاَّ عن طريق
ولي الأمر ،حتى لو كان هذا الولي غير قائم بنفقتها ،ولا على أي شأن من شئونها
،وهذا يُشعر المرأة بالغُبن والقهر ،وأنَّها والأمَة سواء لا تملك من أمرها
شيئاً،فلمَ لا يُسمح للمرأة البالغة الرشيد استخراج بطاقتها الشخصية بنفسها ،وجواز
سفرها وتجديده ؟،فهي كاملة الأهلية شرعاً وقانوناً ،بدليل لو ارتكبت جُرماً
فستُحاسب عليه ،وتعاقب بموجبه ،ولن يقع العقاب على وليها أو وكيلها،كما أنَّ الإسلام
أعطاها حق الولاية على نفسها،وعلى مالها ،وعلى بيت زوجها ،وحق الولاية في الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر ،كما جاء في قوله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم
أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهوْن عن المنكر) .
أمَّا مسألة عدم سفر المرأة الأرملة إلاَّ بإذن ابنها ،أو التي لم تتزوج
،وقد توفي أبوها إلاَّ بإذن أخوها مهما بلغت من السن والمكانة يُشعرها بالقهر
والغُبن ،فالمرأة أكثر حرصاً على نفسها من غيرها ،وهذه الأم التي ربَّت ابنها كيف
نعطيه الحق في أن يتحكم في أمه ،وهو الذي يعطيها الإذن بالسفر ،ولا تستطيع السفر
بدون موافقته؟ هذا منتهى الامتهان للأمومة ،وإن كنَّا لا نثق في ائتمان المرأة على
نفسها ،كيف نثق في حرصها على نفسها في بيتها في بلدها ؟ وكيف نثق فيها في تربية
أولادنا ؟ والتي لا تحافظ على نفسها خارج بلدها هل تحافظ على نفسها داخل بلدها ،
،والشرع رخَّص لها بالسفر مادامت برفقة مؤمنة ،ومن منا ترضى لنفسها أن تسافر
بمفردها أو تُعرِّض نفسها للخطر؟زيادة على ذلك فقد تضطر الظروف المرأة السفر
للخارج للعلاج،ومن هو ولي أمرها الرسمي ،وليس الفعلي مسافر خارج المملكة ،فهل تموت
المسكينة لأنَّ هذا الولي مسافر؟
وورقة إذن ولي الأمر لها بالسفر ليست هي التي تحميها من المخاطر إن لم تحم
هي نفسها منها ،وتحافظ على نفسها ،هناك سيدات وبنات نَرَاهنَّ برفقة أزواجهن
وآبائهن ،وهن سافرات متبرجات يرقصن بحضور أزواجهن وآبائهن وأخوانهن أمام الرجال
الأجانب ،وهناك من الأزواج من يفرضوا على زوجاتهم خلع الحجاب ومجالسة أصدقائهم
بكامل زينتهن ،ويرفضن ذلك ،ويُفضلَّن الطلاق على دوام العشرة الزوجية،وهناك من
الآباء مَنْ يبعثوا ببناتهم بمفردهن،أو برفقة أمهاتهن للدراسة في دول أوربية
وأمريكية،ويحافظن على أنفسهن ،ويعدن ومعهن أعلى الشهادات،فالمرأة هي التي تحافظ
على نفسها ،وليس وليها ،فهناك فتيات ارتكبن خطيئة الزنا ،وتعاطين المخدرات ،وهن
يعشن في كنف آبائهن،ومن المتناقضات العجيبة في مجتمعنا أنَّه في الوقت الذي يُصِّر
فيه الرجل على عدم سفر أمه وأخته خارج المملكة إلاَّ بإذنه نجده يعيِّن فتيات
صغيرات في مقتبل العمر في قرى نائية عن المدن التي يُقمن فيها ،ويقطعن يومياً
ذهاباً وعودة مسافة قد تفوق المائة كيلومتر ،وقد تزيد المسافة عن ذلك برفقة سائق
لا تربطهن به أية رابطة ،ويتعرضنّ لحوادث اغتصاب ،وهناك من هؤلاء الفتيات قد
تعرَّضن لهذا ،ولكن الرجل يغضَّ الطرف عن هذا،فالإصرار على عدم سفر الأم والأخت
مهما بلغت من السن إلاَّ بإذنه هو من قبيل فرض سيطرته عليهما ،حتى ولو كان غير
قيِّم عليهما ،ولم يقم برعايتهما والإنفاق عليهما ،لأنَّ القوامة لها شرطان أولهما
"بما فضَّل بعضهم على بعض " , يعني الرجل مفضل في ناحية والمرأة مفضلة
في ناحية ـ كما يقول فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي ـ الرجل مفضل في ناحية التفكير
والتبصر في العواقب، والمرأة مفضلة في ناحية العواطف والحنان..وقد زوَّدها الخالق
بهذا للأمومة والزوجية، ولنتأمل روعة التعبير القرآني في قوله تعالى : ( بما فضَّل
الله بعضهم على بعض) ،ولم يقل بما فضلهم على النساء،فالرجال قوامون على النساء بما
فضل الله بعضهم على بعض}،وقد تكون المرأة أفضل من الرجل في قيادة البيت إن أصيب
الرجل في قواه العقلية ،وأو أصيب بمرض نفسي يجعل حكمه على الأشياء حكماً خاطئاً
،كأن يصاب باكتئاب شديد أو تُصاب بمرض الوسواس ،ويعتقدون أنّ كل الناس يتآمرون
عليه ،ويُشكك في سلوكيات زوجته وأولاده،وقد يُصاب بمرض يقعده عن الحركة ،كإصابته
بشلل كامل ،فهل في مثل هذه الحالة تكون له قيادة الأسرة ؟
أمَّا الشرط الثاني للقوامة فهو الإنفاق ،وبما أنَّه لا ينفق على أمه أو
أخته ،فبأي حق يعطى حق إعطائهما الإذن بالسفر خارج البلاد ؟
ثُمَّ أنَّ للمرأة حق الولاية على نفسها بدليل أنّ عقد زواجها لا يصح إلاَّ
بموافقتها ،كما لها حق الولاية على بيتها ومالها،ولها حق الولاية في الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر ،فلمَ تُعامل معاملة مَن لا ولاية له كالرقيق والطفل
الصغير؟
،فهذا النظام أرى ضرورة إعادة النظر فيه ،وتعديله بحيث يُسمح السفر للأرملة
الأم بدون إذن ابنها، وكذلك للفتاة التي توفى أبوها ،وهي متولية أمر نفسها ،ولا
ينفق عليها أخ ولا قريب ،وقاربت سن الأربعين .
هذا وهناك من الأزواج من يجعلون زوجاتهم يوكلونهم في تسلم رواتبهن ،فيستلمه
الزوج،ومادام قد دخل جيبه ،فإنَّه يعتبره ملكه ،لا يعطيها منه إلاّ القليل.
ومجتمعنا يُحِّرم على المرأة المساهمة بملايين الريالات في أية شركة ـ
كشركة الكهرباء مثلاً ـ عضوية مجلس إدارة هذه الشركة،وعليها أن توكِّل من ينوب
عنها ،ومن حق المرأة المساهمة أن تتطمئن على أموالها ،و لها الحق في المشاركة في
الإشراف عليها مثل ما للرجل الحق في المشاركة في الإشراف على ماله ،ولستُ أدري لمَ
يُحرَّم عليها ذلك،ويُفرض عليها أن توكِّل من ينوب عنها ،في حين بإمكانها المشاركة
في اجتماعات مجلس الإدارة عبر الدائرة التلفازية المغلقة،ولكن الغالبية العظمى من
رجالنا يزعمون أنَّ لا ولاية لمرأة ،لفهمهم فهماً خاطئاً حديث الرسول صلى الله
عليه "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"وإصرارهم على أخذهم بعموم اللفظ لا
بخصوص السبب متجاهلين تماماً قوله تعالى : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض
يأمرون بالمعروف وينهوْن عن المنكر) وإن حاججتهم بهذه الآية أعطوا للآية معنى آخر
ينفي أحقية المرأة في أية ولاية لتكون لهم الولاية والقيادة ،ويكون للمرأة
الانقياد والاتباع،وتُحرم باسم الإسلام من تولي المناصب القيادية، متجاهلين أنَّ
الإسلام أعطى للمرأة ذمة مالية خاصة ،وولاية وسلطاناً على أموالها ملكاً وتنمية
واستثماراً وإنفاقاً ،مثلها في ذلك مثل الرجل سواءً بسواء .. والولاية المالية من
أفعل الولايات والسلطات في المجتمعات الإنسانية ،على مر تاريخ تلك المجتمعات ..وفي
استثمار الأموال ولاية وسلطان يتجاوز الإطار الخاص إلى النطاق العام.. متجاهلين
أنَّ الإسلام أعطى المرأة حق الولاية على نفسها ،فلا يصح تزويجها إلاَّ بإذنها
،ولها الولاية في بيت زوجها ،وفي تربية أولادها طبقاً لقوله صلى الله عليه وسلم (
كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ،فالأمير الذي على الناس راع عليهم ،وهو مسؤول عنهم
،والرجل راعٍ على أهل بيته ،وهو مسؤول عنهم ،والمرأة راعية على بيت بعلها وولده
،وهي مسؤولة عنهم ،ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) رواه البخاري ومسلم
والإمام أحمد.
لكن هناك من حرم المرأة حق ولايتها على مالها ،ومن الفقهاء من قصر ولايتها
على هذه الولاية الخاصة ،وحرموها من الولايات العامة ،وفاتهم ممارسة المرأة لهذه
الولاية في عهدي النبوة والخلافة الراشدة ،وسبق وأن أشرتُ إلى ذلك ،والحديث ( لن
يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة ) له مناسبة يغفلها الكثيرون ،وحكموا عليه بعموم
اللفظ ،وليس بخصوص السبب ،ومناسبة الحديث أنَّ نفراً قدموا من بلاد فارس إلى
المدينة المنورة ،فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :
- "من يلي أمر فارس "
- قال: [ أحدهم ] : امرأة .
- قال: صلى الله عليه وسلم ـ : " ما أفلح قوم ولوا أمرهم ".
فملابسات ورود الحديث تجعله نبوءة سياسية بزوال ملك فارس ـ وهي نبوءة تحققت
بعد ذلك بسنوات ـ أكثر منه تشريعاً عاماً يحرِّم ولاية المرأة للعمل السياسي العام
.
ثُمَّ أنَّ هذه الملابسات تجعل معنى هذا الحديث خاصاً بالولاية العامة ،أي
رئاسة الدولة ،وقيادة الأمة ،فمناسبة الحديث عن امرأة تولت عرش فارس ،واشتراط
الفقهاء الذكورة في الولاية العامة يقصرها على الرجال ،ولكن هذا لا يحرمها من
ولاية الولايات الأخرى.
وإن كان الخالق جلَّ شأنه عندما تحدث عن ملكة سبأ لم يعترض على ولايتها بل
نجده جل شأنه قد أثنى عليها لأنَّها كانت تحكم بالشورى ،يقول تعالى : ( قالت يا أيها
الملأ أفتوني في أمري ما كنتُ قاطعةً أمْراً حتى تَشْهَدُون)،بينما ذم فرعون مصر ـ
وهو رجل لأنَّه انفرد بالسلطة وصنع القرار واتخاذه : ( قال فِرعونُ مَا أُرِيكم
إلاَّ مَا أرى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلاَّ سبيلَ الرَّشاد)،فلم تكن العبرة بالذكورة
أو الأنوثة في الولاية العامة،وإنَّما العبرة بكون هذه الولاية شورية ،أم سلطاناً
فردياً مطلقاً16.
ونفي الولاية للمرأة يشمل كل المجالات حتى المجالات الدعوية ،فيرفض رفضاً
باتاً وجود المرأة في عضوية مجالس إدارة الجمعيات الخيرية والرابطات الإسلامية
الدعوية ،رغم أنَّها عضوة متطوعة ،وتعمل بنشاط ،ولكن يطلب منها أن تكون أداة
تنفيذية لما يقرره الرجل ،ولا يحق لها أن تكون صاحبة قرار ،أو تشارك في وضع
القرار،وهذا يتنافى تماماً مع قوله تعالى : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء
بعض يأمرون بالمعروف وينهوْن عن المنكر)
ونفي الولاية عن المرأة جعل البعض يعارض عضوية المرأة السعودية في مجلس
الشورى ،ممَّا جعل البعض ينفي إعطاء الإسلام للمرأة حق الشورى ،ويقصر آيات الشورى
على الذكور دون الإناث ،مع أنَّها جاءت على صيغة العُموم شاملة الذكور والإناث كما
جاءت فرائض الصلاة والصيام والزكاة ،وغيرها كثير من الفرائض والعبادات ،والإسلام
كما يُلزمك بالتزامات ،فهو يعطيك بالمقابل حقوق ،ولكن للأسف هناك من الرجال في
مجتمعنا من يريد حرمان المرأة من أي حق يستكثره عليها يجعلها في موقع الندية معه
،فهو يريد أن يكون هو القائد ،وهي التابع ،وإن قلت له :كيف تُحرم المرأة من حق
عضوية مجلس الشورى ،والرسول صلى الله عليه أخذ برأي أم سلمة رضوان الله عليها في
موقف الصحابة رضوان الله عليهم من صلح الحديبية الذي نص على عودتهم إلى المدينة
دون أن يؤدوا مناسك العُمرة ،فيقول لك : هذا مجرد أمر عرضه على زوجته ،وقالت رأيها
،وفاته أنَّ تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم مع أزواجه للتشريع ،وهذا من حكمة
الخاصية التي اختص بها الله نبيه محمد عليه الصلاة والسلام وجعل زوجاته تسع زوجات
، ولو فسَّرنا تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم مع نسائه بهذا المفهوم لعطَّلنا
كثير من التشريعات .
وعندما تستشهد بحق المرأة في الشورى بأخذ سيدنا عمر بن الخطَّاب رأي المرأة
القرشية التي حاجته في مسألة تحديد المهور ،معلناً على الملأ : ( أصابت امرأة
وأخطأ عمر)،واتخاذه من الشفاء من بني عدي بمثابة مستشارة له ضعَّف هاتيْن
الروايتيْن رغم صحتهما.
خلاصة القول : فإنَّ من الرجال في مجتمعنا ومجتمعات عربية وإسلامية أخرى
يُجدِّون في تعطيل النصوص القرآنية والحديثية وإضعاف الروايات التي تعطي للمرأة
حقوقاً هم لا يردونها لها،وللأسف من هؤلاء الرجال فقهاء وعلماء دين ،وبذلك نجدهم
يُلبسون أحكامهم هذه لباس الإسلام ،ويُعدُّون من يطالب بهذه الحقوق من الخارجين عن
الجماعة ،وبالتالي يكفِّرونهم.
حق البيعة:
كما ذكرتُ آنفاً فإنَّ آية بيعة النساء آية واضحة وصريحة ،وقطعية
الدلالة،ومع هذا نجد البعض ممن يُلبسون مواقفهم لباس الإسلام ،ويقولون :إنَّ هذه
الآية لا تدل على بيعة النساء للحاكم ،فهذه البيعة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم
بصفته نبي ،وليس بصفته حاكم ،وبالتالي فهي لا علاقة لها بمبايعة النساء للحكام
،وفاتهم أنَّ مبايعة الرجال كان مبنية على آية مبايعة النساء ،وكانت بذات الصيغة
،وبالتالي فإن أخذنا بهذا القول تكون ليس للرجال أيضاً بيعة للحكام ،فقد كانت بيعتهم
للرسول كنبي ،وليس كحاكم ،وهكذا نجد هؤلاء أي خطأ وقعوا فيه !وأي ذنب اقترفوه في
سبيل حرمان المرأة حق منحها إياه خالقها !وذلك لئلا يكون لها حق الانتخاب ،وحق
المشاركة في الحياة النيابية ،وهذا حق سياسي للمرأة لا يريده الرجل لها .
كما فات هؤلاء أنَّ المرأة بايعت على الدخول في الإسلام كما بايع الرجال
..،وبايعت في العقبة على تأسيس الدولة الإسلامية،و" 17التي كانت بمثابة
الجمعية العمومية لعقد تأسيس الدولة الإسلامية "، ثُمَّ اشتركت مع الرجال ـ
يوم الحديبية في البيعة تحت الشجرة على الحرب والقتال ،وأنزل الله جلَّ شأنه في
تلك البيعة التي لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم : ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ
يُبَايِعونَكَ تَحْتَ الشَّجَرةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبهم ،فأنزْلَ السَّكِينةَ
عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحَاً قَرِيبَاً )[ سورة الفتح :آية 18]
كما نزل قوله تعالى : ( إنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إنَّمَا يُبَايِعُونَ
اللهُ يَدُ اللهِ فَوَقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلى
نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ اللهُ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرَاً
عَظِيماً) [ سورة الفتح :آية 10].
والمرأة عندما بايعت على القتال فقد قاتلت بالفعل ،فهاهي أم عمارة رضي الله
عنها تُقاتل قتال الأبطال في أُحد دفاعاً عن الرسول صلى الله عليه وسلم ،,ذلك
عندما انهزم المسلمون ،ولم يبق مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلاَّ العدد القليل
الذي يعد على الأصابع ،فصمدت أم عمارة ،وشمَّرت ـوكان معها ضمن صمد ـ زوجها
وولداها ،وكانت رسالتها القتالية يومئذ حماية رسول الله حتى افتدته عندما هجم ابن
قُميئة يريد طعنه ،فتلقَّت الطعنة في كتفها فداءً للرسول عليه الصلاة والسلام،ولقد
دافعت النساء عن الرسول صلى الله عليه وسلم يوم حُنين عندما انهزم عنه الرجال ...
ومشاركة النساء في القتال كثيرة لا تخفى على علمائنا وفقهائنا.
المشاركة الثقافية ووسائل الترفيه
تفتقر مجتمعاتنا النسائية إلى وسائل الترفيه والتثقيف،فالرجل في مجتمعنا
مستأثر بالأندية الأدبية والرياضية والمكتبات العامة ،رغم وجود لدينا عدد كبير من
الأديبات والشاعرات والمثقفات ،ولكن الأندية الأدبية المنتشرة في مختلف مدن
المملكة ، تقتصر على الرجال من الأدباء ،وكأنَّ هذا الكم من الأديبات غير معترف به
،فالمسؤولون عن هذه الأندية لم يعترفوا بهؤلاء الأديبات ،ولعلَّ نادي المدينة
الأدبي قد خطا قبل عامين خطوة رائدة في تكريم بعض الأديبات،ولكن هذا التكريم لا
يكفي ؛إذ لابد أن تكون للأديبة السعودية مشاركة فعالة في أنشطة هذه الأندية ،وتكون
عضوة فعَّالة فيها ،وأحبذ أن تنشئ الرئاسة العامة لرعاية الشباب أندية أدبية
نسائية مستقلة عن الأندية الأدبية الرجالية ،لأنَّ الأندية النسائية المتفرعة منها
ستكون تحت سطوة الرجل وسلطته الذي لم يعترف بالأديبة السعودية ، ولن يسمح لها أن
تتفوق على الأندية الرجالية ،وبالتالي سيضع كل العقبات والعراقيل أمام هذه الفروع
النسائية .
والمشاركة الثقافية للمرأة لا تقتصر على الأندية الأدبية ،فهناك الصالونات
الأدبية ،وحسب علمي توجد الآن ثلاث صالونات أدبية نسائية أحدها في جدة ،وثانيها في
الرياض ،وثالثها في المنطقة الشرقية ،والملاحظ هناك تعتيم إعلامي على هذه
الصالونات ،وهناك من يتحفظ تجاه هذه الصالونات ،وينظر إليها وكأنَّها مخالفة
للأعراف والعادات والتقاليد ،وهناك من المتطرفين من ينظر إليها ،وكأنَّها مخالفة
للشريعة الإسلامية ،مع أنَّ الكل يعترف ويقدر الصَّالونات الرجالية التي تحظى
بتغطية إعلامية كبيرة!!!
والمكتبات العامة كلها للرجال ،حتى مكتبات الجامعات كمكتبة جامعة الملك
سعود التي تخصص بضع ساعات في يوم واحد من أيام الأسبوع للباحثات ،وباقي أيام
الأسبوع للباحثين.
أمَّا الأندية الرياضية فهي قاصرة على الرجال ،فممارسة الرياضة البدنية
للمرأة من المحرمات على المرأة باسم الدين ،وإقامة هذه الأندية فيها مفسدة كبيرة
للمجتمع ،هذا رأي بعض علماء الدين في بلادنا،ولستُ أدري على أي أساس أعتبر أصحاب
الفضيلة العلماء أنَّ إقامة أندية رياضية للنساء بدون اختلاط فيها مفسدة؟
الإسلام اعتنى بالتربية الجسمية كما اعتنى بالتربية الروحية والعقلية
والوجدانية والاجتماعية ،ومَّما لا شك فيه أنَّ التربية البدنية من أهم وسائل
العناية الصحية للبدن والعقل والنفس ،لأنَّها تقود ممارسيها إلى أحضان الطبيعة حيث
الشمس والهواء الطلق فيسبحون ويمرحون ويرفهون عن أنفسهم ،وتقوى أبدانهم وتنمو
عضلاتهم وتتحسَّن وظائف قلوبهم وأجهزتهم التنفسية ،ومن الأدلة على اهتمام السنة
النبوية بالتربية البدنية تأكيدها على أداء بعض التمارين والمهارات والممارسات
الرياضية كالمشي وسباق الخيل والرماية والسباحة .
ومن حثِّه صلى الله عليه وسلم على ممارسة رياضة المشي ما رواه جابر بن عبد
الله ؛إذ قال : كانت ديارنا نائية عن المسجد ،فأردنا أن نبيع بيوتنا فنتقرب من
المسجد فنهانا رسول صلى الله عليه وسلم فقال : ( إنَّ لكم بكل خطوة درجة ) [ صحيح
مسلم]
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من
تطهَّر في بيته ،ثُمَّ مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت
خطوتاه أحدهما تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة)
وقد مارس رسول الله صلى الله عليه بنفسه رياضة المشي سواء في تنقله لأداء
الصلاة ،أو في زياراته أو في هجرته ،أو في غزواته ونحوها هذا مع ملاحظة أن مناسك
الحج ،وهو من أركان الإسلام تعتمد على المشي والهرولة ،كالطواف حول البيت ،والسعي
بين الصفا والمروة وأداء غيرهما من الشرائع.
ودعت السنة إلى تعلم السباحة والرماية وركوب الخيل ،ومن هذا قوله صلى الله
عليه وسلم :عن عقبة بن عامر يقول : ( سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وهو على
المنبر يقول : ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألاَّ إنَّ القوة الرمي ،ألا إنَّ
القوة الرمي ،ألا إنََ القوة الرمي) [ صحيح مسلم]
وقوله صلى الله عليه وسلم : ( حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة
والسباحة والرماية وأن لا يرزقه إلاَّ طيباً) [ المغني /منتخب كنز العمَّال ،رواه
الحكيم وأبو الشيخ في الثواب ،والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي رافع]
وفي حديث للسيدة عائشة رضي الله عنها أنّها كانت تسابق الرسول صلى الله
عليه وسلم ونحن لو رجعنا إلى سيرة الصحابيات الجليلات رضوان الله عليهن نجدهن كن
يشاركن في القتال ،وهذا يعني أنّهن كن يجدن الرماية وركوب الخيل ،فعلى أي أساس بنى
أصحاب الفضيلة العلماء تحريم إقامة أندية رياضية خاصة بالنساء فقط يمارسن فيها
الرياضة البدنية التي تقوي أجسامهن ،وتحافظ على لياقتهن البدنية ،والحفاظ على
صحتهن ،فمعروف طبياً أنَّ المرأة إن انقطع عنها الطمث يتوقف الجسم عن إفراز مادة
"الاستروجين" التي تحافظ على كثافة العظام ،وفقدانها يؤدي إلى هشاشة
العظام ،والمشي وممارسة أنواع الرياضة الأخرى يجعل الجسم يفرز هذه المادة،أيضاً
ممارسة المرأة للرياضة تحميها من السمنة ومخاطرها على القلب ،كما تحميها الرياضة
من أمراض السرطان ،ومن تصلب الشرايين ،وأمراض أخرى كثيرة ، فحماية للمرأة من مرض
هشاشة العظام،ومن مخاطر أمراض السمنة ،ومن مرض السرطان ،وغيرها من أمراض لابد لها
من ممارسة الرياضة البدنية في الهواء الطلق ،وهذا لا يتوفر لها إلاَّ في المناطق
المفتوحة ،وهذا لا يتسنى لها إلاَّ بإنشاء أندية خاصة بها بعيدة عن أنظار
الرجال،فرياضة المشي لا تستطيع أن تمارسها في الشوارع فهذا يعرِّضها إلى المعاكسات
،إضافة إلى أنَّ المشي ،وهي ترتدى العباءة وتغطي وجهها يجعل المشي مرهقاً لها.
أيضاً تعليم بناتنا لبعض أنواع الرياضة التي تمكنهن من الدفاع أنفسهن إن تعرضن إلى
مخاطر الخطف والاغتصاب ،ولعلَّ رياضة الجودو وأمثالها بات من الأهمية تعليمها
لبناتنا ،أيضاً السباحة من أنواع الرياضة الهامة التي ينبغي أن يتقنها الشباب من
الجنسين ،وتحريم تعلم السباحة على البنات باسم الدين يسيء إلى الإسلام ،وكأنَّ
الإسلام يرى أن تموت المرأة غرقاً على أن تتعلم السباحة ،ونص الحديث : ( حق الولد
على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرماية وأن لا يرزقه إلاَّ طيباً) يوضح
أنَّه يشمل الذكور والإناث معاً ،ولو قصرناه على الذكور فقط لقصرنا تعليم الكتابة
،والصرف من مال طيب على الذكور فقط!
والذين يُضعفِّون الحديث : ( علِّموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل
) ،فالحديث السابق يُقويه ،ويؤيده حديث صحيح مسلم عن الرماية.
والذين يقولون عن أنَّ مسابقة النبي للسيدة عائشة رضي الله عنها أنَّها لم
تسابق إلاَّ زوجها عليه الصلاة والسلام ،وكانت متسترة بثيابها وبعيدة عن أعين
الرجال ،وهنا أقول : وممارسة المرأة للرياضة في الأندية الرياضية النسائية ستكون
بعيدة عن أعين الرجال لأنَّها أندية خاصة بالنساء ،ومن منَّا يرضى لنفسه أو
لأخواته وبناته أن يمارسن الرياضة البدنية أمام الرجال ؟
وهناك من يقول إنَّ إيجاد مثل هذه الأندية يساعد على افتتان النساء ببعضهن
البعض ،فإن كان من الطالبات من يفتن بمعلماتهن وهنَّ متسترات ،فكيف بمثيلاتهن ،وهن
مرتديات ملابس الرياضة ؟
وأقول هنا لقد درسنا في مدارس ،وأحببنا مدرساتنا حبنا لأمهاتنا وأخواتنا
،ولم تحدث فتنة ولا معصية ،وإن يقصد هؤلاء بالحالات الشَّاذة،وإن كنت لم أر هذه
الحالات ،وإن وُجدت فالشذوذ الجنسي ليس قاصراً على النساء ،فهو أيضاً موجود بين
الرجال ،فلمَ لم تمنع النوادي الرياضية بالنسبة للرجال ؟
ولمَ نعمم الشذوذ ،ونصف نساءنا وبناتنا به؟ ألهذا الحد بلغ بالبعض الإساءة
إليهن؟
وممّا يبدو أنَّ الذين يسألون أصحاب الفضيلة العلماء عن حكم إنشاء الأندية
النسائية الرياضية أمثال هؤلاء ممن ينظرون إلى المرأة هذه النظرة الظالمة القاسية
،فيلقون أسئلتهم بصيغة تجعل أصحاب الفضيلة العلماء يُحرِّمونها ،كقولهم : هناك من
يطالب بإنشاء أندية رياضية للنساء يمارسن فيها الرياضة أمام الرجال ،وقد ارتدين
ملابس تكشف عن مفاتهن ،فما رأي فضيلتكم؟
فيكون جوابهم تحريم إنشاء مثل هذه الأندية .
أمامي في ملحق الرسالة ـ الصادر عن جريدة المدينة في الرابع والعشرين من
جمادي الآخرة عام 1424هـ الموافق 22 أغسطس 2003م ـ هذا العنوان : ( المفتي العام
للرسالة : " المطالبون بالأندية النسائية في قلوبهم مرض ،والعياذ بالله
" ) وجاء تحت هذا العنوان الآتي :
( أكَّد سماحة الشيخ عبد العزيز بن
عبد الله آل الشيخ المفتي العام للمملكة ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارات البحوث
العلمية والإفتاء أنَّ المطالبة بإنشاء أندية رياضية نسائية ،وغيرها ،هذه أمور
ينادي بها من ليس عنده قناعة بأخلاق الإسلام ،ومن في قلبه مرض والعياذ بالله
..لأنَّه يريد إفساد هذه المرأة وإخراجها عن مقتضى فطرتها ،. وقال سماحته رداً على
سؤال "الرسالة " لا شك أنَّ أعداء الإسلام وجَّهوا سهامهم وأقلامهم ضد
المرأة المسلمة لأنَّهم يعلمون أنَّ المرأة المسلمة مادامت متمسكة بقيمها وأخلاقها
وفضائلها فلن يستطيعوا أن يفسدوا الأمة ،وأوضح سماحته إنَّ طريق إفساد الأمة من
طريق المرأة ،وتجريدها من قيمها إبعادها عن فضائلها تحللها من أخلاقها السعي في
مسخ حيائها ،وخوفها من الله ،لكن المرأة المسلمة إذا تمسَّكت بهذا الدين ،وثبتت
على هذا الخُلق القويم ،فإنَّ العدو سيندحر إن شاء الله . وقال المفتي العام أنَّ
الدعوة إلى الأندية النسائية ،وغير ذلك كل هذه الأمور ينادي بها من ليس عنده قناعة
بأخلاق الإسلام ،ومن في قلبه مرض ،والعياذ بالله يريد إفساد هذه المرأة وإخراجها
عن مقتضى فطرتها وإبعادها عن الحجاب الشرعي نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق.)
انتهى كلام سماحة المفتي.
وهنا أقول إنَّ ما قاله سماحة المفتي لا يتفق مع طبيعة الموضوع ،فالأندية
الرياضية النسائية الخاصة بالنساء لا تناقض الفطرة التي فطرت عليها المرأة،وإلاَّ
كانت مناقضة لفطرة الرجل لأنَّ ممارسة الرياضة من حقها كإنسانة مثلها مثل الرجل
تماماً ،والإسلام لم يُحرِّم عليها ممارستها بل حث على ممارستها لها ،وقد بيَّنتُ
ذلك ،فليس في هذه الأندية ما يؤدي إلى إفساد المرأة ،بل يشغل فراغها بما يعود
عليها بالفائدة ،فهي تحميها من الفساد الناجم عن الفراغ الذي تعاني منه فتياتنا
ونسائنا فيلجأن إلى مشاهدة الفضائيات ،وما فيها من إفساد حقيقي لهن ،أو يلجأن إلى
الإنترنت ،وما فيها من مواقع إباحية ،أو يشغلن أوقات فراغهن ب"الشات "
أي إجراء مناقشات مع شباب عبر الإنترنت ،وقد تنتهي هذه الحوارات إلى لقاءات ،ثمَّ
إلى مالا يحمد عقباه ،وهذا ما قالته بعض فتياتنا في مؤتمر " شبابنا إلى أين ؟
الذي نظمته كلية دار الحكمة بجدة في العام المنصرم ،عندما فتح حوار مع الشابات عن
"الشات" .
وفي استفتاء عمله الداعية عمرو خالد عن أسباب " الصحوبية "
مصاحبة الفتيات للشبان "كانت النتيجة 33% بسبب الفراغ والتسلية ،وهذا
الاستفتاء كان على مستوى العالم العربي المتوفر فيه وسائل شتى لشغل أوقات الفراغ
،فما هي نسبة فتياتنا في المملكة اللواتي يعانين من الفراغ ،لعدم توفر جميع وسائل
الترفيه البريء لهن في مجتمعنا الذي يُحرَّم فيه كل شيء للمرأة ـ للأسف الشديد ـ؟
إضافة لما لممارسة الرياضة البدنية من أهمية في الحفاظ على صحتنا ،ولياقتنا
البدنية ،ورشاقة أجسامنا ,وحمايتنا من كثير من الأمراض،وتعلم فتياتنا أنواع من
الرياضة تمكنهن من حماية أنفسهن ،وأعتقد أنَّه لو وجِّه لفضيلته السؤال عن الأندية
الرياضية بهذه الصيغة لجاء جوابه خلافاً لذاك الجواب.
وكما يبدو من كلام سماحة المفتي عن الأندية الرياضية النسائية جاء بناءً
على صيغة سؤال توحي بترتب مفاسد كبيرة من إنشاء هذه الأندية،فعلى قدر السؤال
وصيغته تكون الفتوى ،ويا ليت ملحق الرسالة نشر صيغة سؤال مراسلها لسماحة الشيخ !
أندية الفتيات بالشارقة:
هذه الأندية أنشأتها سيدة فضلى متمسكة بدينها وحجابها وبقيم الإسلام
وأخلاقياته هي الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي حرم أمير الشارقة ،وهذه الأندية خاصة
بالنساء لا يدخلها رجل قط ،وقد زرتها ورأيتُ هذا بنفسي ،بها مكتبة كبيرة ،وقاعات
محاضرات تقام فيها الندوات والمحاضرات الدينية والثقافية المتنوعة ،وتنظم هذه
الأندية مسابقات في حفظ القرآن الكريم،وتوزع جوائز على المتفوقات ،وتتبنى المواهب
الأدبية وترعاها ،كما تخصص جوائز سنوية للمبدعات العربيات في مجال القصة والرواية
والشعر والنقد ،والكتابة للأطفال،ويصدر عن هذه الأندية الأعمال الفائزة ،إضافة إلى
وجود أنشطة رياضية متنوعة يتعلمن فيها الفتيات مختلف أنواع الرياضة التي تناسبهن
منها الرياضات التي تمكنهن من الدفاع عن أنفسهن لو تعرَّضن إلى أي خطر،مع وجود فرق
رياضية نسائية في كرة السلة ،وغيرها. وهذا النادي لم يفسد النساء والفتيات ،بل هو
وسيلة للإصلاح والتثقيف والتسلية ،ويعد معلماً حضارياً وثقافياً له تأثير إيجابي
على المجتمع ليس في الشارقة فقط ،ولا في الإمارات المتحدة ، ولا في منطقة
الخليج،وإنَّما في العالم الإسلامي ،فهو النموذج الذي ينبغي أن تكون عليه الأندية
النسائية في مجتمعاتنا الإسلامية ،وكم أتمنى أن توجد مثل هذه الأندية في مجتمعنا
السعودي ،والمجتمعات الخليجية والعربية والإسلامية.
قيادة المرأة للسيارة:
موضوع قيادة المرأة السعودية للسيارة موضوع في غاية الحرج،وأثار جدلاً
طويلاً،وعند مناقشته يجب مناقشته من جميع الجوانب ،وأن نكون موضوعيين ومنطقيين في
طرحه ،فطبيعة مجتمعنا السائد فيه تغطية وجه المرأة يعرض المرأة لمخاطر كثيرة
بقيادتها للسيارة ،لأنَّ قيادة السيارة تتطلب منها كشف الوجه ،فإن انتقبت كيف يمكن
التعرف عليها إن ارتكبت حادثاً؟والمرأة التي تكشف وجهها في مجتمع يسود فيه تغطية
الوجه يجعل البعض من ذوي النفوس المريضة يظن أنَّها إنسانة سهلة ،فقد يعترضها
مجموعة من هؤلاء ،وهي تقود سيارتها ،وقد تتعرض إلى خطر الاغتصاب ،وكذلك لو توقفت
سيارتها منها في الطريق بسبب حدوث عطل بها ،ولكن في نفس الوقت لو نظرنا إلى القضية
من الجانب الآخر ،وهو الاعتماد على سائق أجنبي في توصيل المرأة نجد الأمر لا يخلو
من كثير من المخاطر ،فقد سمعتُ أنَّ أحد السائقين قد اغتصب بنات الأسرة بأكملها
التي كان يعمل عندها ،ولو فتحنا ملفات السائقين نجدها تحوي على أشياء جد خطيرة قد
تتضاعف أضعافاً كثيرة عن مخاطر قيادة المرأة للسيارة ،هناك قضية يجب وضعها في
الاعتبار ،وهي وجود أسر لا يوجد لديها معيل من الرجال ،أي أسرة كلها من النساء
،ووجود سائق أجنبي في أسرة كلها نساء يطمعه فيهن ،إضافة إلى استضعافه لهنّ ،فإن
حدثت حوادث اغتصاب مع وجود الأزواج والآباء والإخوة والأبناء ،فكيف إذا كانت
الأسرة تفتقر إلى وجود الزوج والأب أو الأخ والابن؟ولو قلنا عليها الاستغناء عن
السائق ،فكيف تستطيع تلبية احتياجاتها ،وكيف يمكن إيصال البنات إلى مدارسهن
وكلياتهن أو أعمالهن ؟والذهاب إلى المستشفيات لعلاجهن ؟ وقد تكون إحداهنَّ مريضة
بالقلب ،وجاءتها نوبة قلبية في آخر الليل ،هل يأخذن سيارة أجرة من الشارع ؟ وهذا
يعرضهن إلى الخطر مع وضع في الاعتبار أنَّه لا توجد في بلادنا وسائل مواصلات عامة
مؤمنة للنساء .،فالخطر بوجود السائق وعدم وجوده أكثر من خطر قيادة المرأة للسيارة
بنفسها ،فالأمر يحتاج إلى دراسة من كل الجوانب ،ووضع ضوابط فيما لو أقر للمرأة
قيادة السيارة ،فالذين يعارضون قيادة المرأة للسيارة عليهم وضع كل هذه الاعتبارات
في حسبانهم ،وأن يضعوا أنفسهم في مكان المرأة التي لا يوجد لديها معيل ،وتعيش
بمفردها أو تعيل أسرتها ،ولديها أم مريضة وأطفال صغار.ولا أرى حرمة شرعية لقيادة
المرأة للسيارة إن التزمت بآداب الإسلام ،فقيادة السيارة شأنه شأن ركوب الخيل ،أو
أية دابة ،فهل الإسلام يحرِّم على المرأة ركوب الدواب ؟ لقد كان من الصحابيات
الجليلات من يجيد ركوب الخيل ،وكن يخرجن للقتال،والخيل كان أحد وسائل
المواصلات.وقد رأيتُ المرأة في الشارقة ،تقود السيارة وهي ملتزمة بحجابها،ولم يجرؤ
أحد على التعرض لها ،كما أنَّ المرأة السعودية في البادية وفي القرى تقود السيارة
" الونيت"وأعتقد أنَّ الناس إذا تعودوا على قيادة المرأة للسيارة ،فلن
يتعرض لها أحد بسوء. وكم أتمنى أن يناقش مجلس الشورى هذه القضية ،وأن تشارك المرأة
السعودية في نقاشها لأنَّها ستطرح الكثير من القضايا التي قد تغيب عن الرجل ،فهذا
الموضوع يمثل جزءً كبيراً من معاناتها ،وإن فتح ملف السائقين الأجانب ستتكشف لنا
حقائق غابة عن الكثيرين ،وكما رأينا في طرحها على مجلس الشورى أسباب تفشي العزوبة
والعنوسة في المجتمع السعودي،فقد كشفت النقاب عن أمور غابت عن الرجل في نقاشه
للظاهرتيْن ،فالرجل يناقش القضايا من منظوره هو ،وتغيب عنه الأمور المتعلقة بالطرف
الآخر أعني "المرأة". قد يهاجمني البعض على رأيي هذا ،ولكن لا بد لنا من
مواجهة مشاكلنا بأكثر موضوعية،وهذا يتطلب منا جرأة وشجاعة في الطرح والعلاج ،وإن
كنتُ أرى أنَّ الحل الأمثل لهذه القضية هو تأمين مواصلات عامة مؤمنة للنساء بأسعار
في متناول الجميع ،تشمل المدن بأكملها،بحيث تستطيع المرأة أن تقضي كافة احتياجاتها
بأمان.
وبعد هذه المصارحة والمكاشفة التي أوضحت لنا مواطن الخلل في مجتمعنا
الناجمة عن تصرفاتنا ونظرتنا إلى المرأة التي إلى هذا القصور الذي لن يصلح مجتمعنا
إلاَّ بزواله،ويكون هذا باتخاذ قرارات جريئة من القيادة السياسية تنبذ جميع
الأعراف والتقاليد التي تتعارض مع تعاليم الإسلام ،كذاك القرار الجريء الذي اتخذه
الفيصل رحمه الله بشأن تعليم البنات ،وثباته على هذا القرار رغم الاعتراض عليه
،وقال قولته المشهورة : "ستظل المدارس مفتوحة حتى لو جاءتها طالبة
واحدة"
فالإصلاح يحتاج إلى جرأة في اتخاذ القرار ،ولن يكون الإصلاح ـ في رأيي ـ
إلاَّ بالآتي:
1- إعطاء المرأة حقها في الإرث ،ومنع الذين يحرمونها من هذا الحق ،باتخاذ
قرارات تحفظ لها كامل حقوقها في الميراث.
2- إعطاء المرأة كل الحقوق التي تؤهلها لممارسة حقها في الأهلية الحقوقية
المالية بدون وكيل أو نائب أو ووسيط.
3- إعطاء المرأة البالغة الرشيد حق إصدار أو تجديد بطاقتها الشخصية وجواز
سفرها بدون إذن أحد.
4- إعطاء الأرملة التي توفى عنها زوجها ،وقاربت على سن الأربعين ،والفتاة
التي لا زوج لها ولا أب ،وتعيل نفسها ،وقد قاربت سن الأربعين السفر خارج المملكة
بدون إذن أحد.
5- إعطاء المرأة التي لا زوج لها ولا ولد ،وغير موظفة حق الاقتراض من
الدولة ،فهذه الفئة محرومة من حق الاقتراض من صندوق التنمية العقاري ،مع أنَّها
تستحق من الدولة منحها سكناً خاصاً بها ،إن لا يوجد لديها ما يضمن للصندوق تسديد
القرض.
6- على الدولة أن تؤمن السكن والمعيشة لمن لا زوج لها ولا ولد ،ولا دخل
تعيش منه.
7- فتح فرص عمل للنساء اللواتي لم يتلقين تعليماً أو كان تعليمهن بسيطاً،
،بإنشاء مصانع للنساء يعملن بها بعد تدريبهن على طبيعة العمل ،وكذلك إنشاء معاهد
مهنية وحرفية ،يستطعن بعد التخرج منها ممارسة بعض الأعمال كأعمال السباكة والكهرباء
،وصيانة بعض الأجهزة ،ليقمن بأعمال الصيانة في مدارس ومعاهد وكليات البنات
والجمعيات الخيرية النسائية ،وغيرها من المرافق النسائية. فهناك من نسائنا ـ وهن
كثر ـ في حاجة إلى العمل لإعالة أسرهن ،وإعالة أنفسهن ،فللأسف هناك ممن هم مسؤولون
شرعاً عن إعالتهن لا يقومون بواجب الإعالة ،فالفتاة التي لم تنل حظاً من التعليم
،وتوفي والدها الفقير الذي لا يملك شيئاً ،وهذه الفتاة لا أخ لها ،وقد يكون لها
اخوة ولكن تخلوا عن إعالتها فماذا تفعل إن لم نوفر لها فرص عمل شريفة كريمة تحافظ
عليها ؟
8- إعطاء المرأة حق عضوية مجلس الشورى في مختلف اللجان ،وعدم قصر عضويتها
على اللجنة الاجتماعية ،كما إعطاؤها حق البيعة والانتخاب ،وحق الولاية في الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر ،كما جاء نصه في القرآن الكريم.
9- العمل على توفير وسائل التثقيف والتسلية والترفيه البريء للنساء بإنشاء
لهن مكتبات عامة وأندية ثقافية ورياضية خاصة بهن .
10- إنشاء نقابات مهنية للسيدات ومثلها للرجال ،ويكون النقيبة والنقيب
بالانتخاب، وتكون النقابة هي المرجعية التي تحفظ حقوق المنتمين إليها .
11- أن تتساوى المرأة بالرجل في الترقيات الوظيفية ،وأن تتمتع المرأة بذات
الصلاحيات التي يتمتع نظيرها الرجل في ذات الوظيفة والمرتبة.
12- إعطاء الأكاديميات والمثقفات حق المشاركة في المؤتمرات الدولية التي
تقام خارج المملكة
13- أن تتوفر في معامل مدارس وكليات البنات ذات الأجهزة والإمكانات التي
تتوفر في معامل مدارس وكليات البنين.
14- توفير وسائل مواصلات مؤمنة للنساء بأسعار في متناول الجميع تربط
الأحياء السكنية بعضها ببعض ،وبجميع المرافق من مستشفيات ومستوصفات ومدارس ومعاهد
وكليات وبنوك،وأسواق ومكتبات ،وأندية نسائية ،وجمعيات خيرية نسائية ،وغير ذلك من
المرافق بحيث تمكن المرأة من قضاء كل احتياجاتها بنفسها بأمان.
15- إعادة النظر في تعيين المرأة في قرى نائية ،ووضع كل السبل التي توفر
لها الأمن والسلامة ،مع العمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي في هذه القرى.
16- عدم الغلو والإسراف في تطبيق سد الذرائع على النساء الذي يترتب عليه
حرمان النساء من كثير من حقوقهن التي منحهنَّ الإسلام.
17- إعطاء المرأة المؤهلة حق الفتوى،وحق العضوية في المجمع الفقهي بمكة
المكرمة،وتكون مشاركتها في المجمع عبر الدائرة التلفازية المغلقة ،كما إعطاؤها حق
النظر في القضايا التي تخص المرأة والأسرة مادام من القضاة من يرفضون التحدث إلى
النساء أو لا يعيروهن اهتمامهم أثناء عرض دعواهن عليهم.
18- إنشاء رابطة للمثقفات السعوديات ،تحقق التواصل بينهن ،ويُفعَّل دورهن
في النهوض بالمجتمع من خلال هذه الرابطة.
هذا ما أراه بشأن إصلاح وضع المرأة في المجتمع على وجه الخصوص ،لأنّه بصلاح
شأنها يصلح المجتمع ،وإنَّني أرى أنَّ صلاح المرأة في المجتمع مرهون بنظرته للمرأة
،فإنْ نُظر إلى المرأة النظرة القائمة على أنّها ناقصة الأهلية ،وتُعامل معاملة
القاصر على الدوام ،وأنَّها محط كل فتنة وكل شهوة ،ومنبع كل فساد ،وأنَّه ينبغي
حبسها داخل بيتها ،وتُحرم من حق المشاركة في الحياة العامة ،ولا ولاية لها ،كما
ينظر لها المتنطعون في مجتمعنا ،واستمرار هذه النظرة ،وتمكن هؤلاء المتنطعون من
الحيلولة دون حصول المرأة السعودية على كامل حقوقها في الإسلام ،سيكون هلاكنا ؛إذ
حذَّر الرسول صلى الله عليه وسلم من هذا التنطع بقوله ثلاثاً: ( هلك
المتنطعون)،لأنَّ هؤلاء بتنطعهم سيفسحون المجال لأعدائنا للنفوذ إلينا من خلال
المرأة ،واتخاذها ذريعة للتدخل في شؤوننا وربما في احتلالنا لا قدر الله بدعوى
"تحرير المرأة"،يجب أن يدرك هؤلاء أنَّ هناك ضغوطاً دولية علينا ،وأنَّه
لا وقت لدينا لنجادل ونناقش حتى يقنع هؤلاء المتنطعون بما للمرأة من حقوق في
الإسلام ،وأنَّهم بتنطعهم هذا يعترضون على الله فيما أعطاه من حقوق ،فعليهم أن
ينظروا إلى المرأة نظرة الإسلام لها ،لا تلك النظرة المقللة من قيمتها وقدرها
،والمشككة في قواها العقلية ،وقدرتها على الحفاظ على نفسها وعرضها وشرفها ،ومنعها
من حقها في المشاركة في الحياة العامة .
----
[1] محمَّد فهمي عبد الوهاب:
الحركات النسائية في الشرق ،وصلتها بالاستعمار والصهيونية العالمية ،ص7،دار
الاعتصام،القاهرة.
[2] انظر : صحيح البخاري ،طبقات
ابن سعد ،والإصابة لابن حجر ،وسيرة ابن هشام ، وتهذيب التهذيب لابن حجر
،والاستعياب لابن عبد البر ،وفتوح البلدان للبلاذري ،وأسد الغابة لابن الأثير
،وسير النبلاء للذهبي ]
[3] انظر : ابن حجر :الإصابة في
تمييز الصحابة ،الجزء الثامن ،كتاب النساء ،رقم 12171 ]
[4] انظر : أعلام النساء لعمر رضا
كحالة الجزء الثاني ،ص 202.
[5] [ المرجع السابق ،ج5 ، ص 126]
[6] د. محمد عمارة : التحرير
الإسلامي للمرأة ،ص 45.،ط1 ،1421هـ ـ 2002م ،دار الشروق ـ مصر.
[7] المرجع السابق : ص 46.
[8] د. محمد عمارة : مر جع سابق ،ص
88،89.
[9] المرجع السابق : ص 89.
[10] المرجع السابق :ص 90، 91.
[11] المرجع السابق : ص 92.
[12] المرجع السابق : ص 81.
[13] المرجع السابق ،نقلاً عن
الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ،ص 244، 236.
[14] د. محمد عمارة : مرجع سابق ،ص
116.
[15] أذيعت يوم السبت 2/11/1423هـ
الموافق 4/1/2003م.
[16] د. محمد عمارة : مرجع سابق ،ص
105.
[17] د. محمد عمارة : مرجع سابق ،ص
35.
المراجع:
الآية 3 من سورة النساء.
كتاب محمد رسول الله، ترجمة المرحوم الدكتور
عبد الحليم محمود شيخ الأزهر الأسبق.
مجلة طبيبك الخاص عدد مايو 1997 (مقال
للدكتور سعيد عبد العظيم – أستاذ الأمراض النفسية و العصبية بطب القاهرة).
أحاديث نبوية "رواه البخاري ومسلم
والترمذي والنسائي وابن ماجه".
المجلة الالكترونية "الفوانيس"0
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق